ماذا لو انهارت الامبراطورية الامريكية؟ (2/2)

  تتناقص مع الوقت اذن قدرات الحضارات المتربعة على عرش السيادة النموذجية والتفكرية في الأحوال…

 

تتناقص مع الوقت اذن قدرات الحضارات المتربعة على عرش السيادة النموذجية والتفكرية في الأحوال كلها، سواء منها تلك التي كانت تسود خلال العصور الزراعية، مع غلبة حالة التباعد، او الحديثة المرتبطة بصعود الغرب الراسمالي الصناعي، وماحمل معه من تغيير طرا على آليات التفاعلية الحضارية منهيا عصور التباعد، ليحل محلها عصر “التفاعلية الحضارية التدامجية” المعاشة منذ بضعة قرون، بالاخص مع بروز الظاهرة الامريكية التي تنبثق في التاريخ مثل معجزة غير محتسبة، ترتب عليها انعطاف خطير في التاريخ ومساراته، وحالة الغرب والعالم ومستقبله.

 

فاكتشاف القارة الامريكية، يأتي كأنه استطالة في التاريخ الأوربي والعالمي الحديث، تنطوي على خليط دينامي من العالم “اللادولوي” مركبا عليه المنجز الدولوي بصيغته الصناعية الاخيرة، فامريكا تقع خارج احتسابات التاريخ الغربي الأوربي وتراتبيته المحقبة على يد ماركس في “المادية التاريخية”، فلا مراحل أربعة هنا، والمجتمع والكيان الامريكيان، نشآ كأنهما حديقة تفقيس خارج الاليات التاريخية الطبقية، وفي مكان عرف قبل مجيء المهاجرين الاوربيين “مجتمع لادولة”، ما ادى لاحقا لاختلاط احكام الموقع اللاسلطوي بمزيج المغامرة والطهرانية، وهما الفئتان الأبرز من المهاجرين الى القارة الجديدة، فالبحث عن الذهب قابله وزامنه فعل جماعات”الطهرانيين”، لينتهي بامتزاجهما، مع قوة المنجز الالي والتنظيمي الذي انحدر المهاجرون منه، ليثمر كينونة مستجدة، نجم عنها قيام هيئة اجتماعية موحدة بخاصيات لاتمت الى اصلها الذي جاءت منه بصلة.

 

لا بل ويلاحظ ان الكيان الأمريكي قد صعد باطراد على وقع التراجع ومزيد من الكسوف الأوربي، فالمستعمرات البريطانية والاوربية في القارة الجديدة، ذهبت الى التامرك، وهي تواصل تعريف ذاتها لذاتها، وتستقل سياسيا، وككينونة، مستشعرة تفوقها على من انحدرت منهم، وهو ماتحول لاحقا الى حقيقة لاتقل أهمية عن صعود اوربا الحديث قبلها، بينما اضطلع الكيان القاري الجديد بإطالة امد الهيمنة الاوربية بعد غروب اوربا، فاوربا عمليا وفي أوقات لاحقة مع القرن العشرين تحديدا، ماتت عمليا، لابل واقتربت من ان تدفن مع الحرب العالمية الثانية، ففقدت كل ماكان يمنحها طاقة الديمومة والاستمرار، ناهيك عن ان تظل سائدة، لولا التدخل الأمريكي الشامل امنيا وعسكريا واقتصاديا بمواجهة الاتحاد السوفياتي، وقبلها امام الفاشية الألمانية. ومع هذا، ومن اهم مايلاحظ، ظاهرة اغفال جوانب الخصوصية الامريكية، ففيما عدا الكتاب التأسيسي الذي وضعه الفرنسي توكفيل في القرن التاسع عشر عن “الديموقراطية الامريكية”، لم تعامل الظاهرة “الإمبراطورية الامريكية” من قبل عالم البحث وعلم الاجتماع، كحالة خاصة، ومال الغرب للتركيز باصرارعلى اعتبار أمريكا ظاهرة “غربية” غير منفصلة، واحيانا كاضافة هائلة، كما راى ادم سميث بتركيزه على المتغير الاقتصادي الهائل المترتب على اكتشاف القارة الجديدة.

 

ولأسباب آنية استمر التركيز على الإضافة الامريكية للمفهوم وللمارسة “الامبرالية” حسب الدلالات الاقتصادية والسياسية، ولاغراض تعمد لاجتزاء الظاهرة، ولاتولي الجوانب البنيوية المستجدة الاهتمام اللازم، والغريب ان أحدا لم يلتفت لاثر وحالة “البدء الجديد” على الحضور الامبريالي العالمي الامريكي، كما ان فقدان الثقل الماضوي ومترتباته الطبقية، استبعدت من البحث، فامريكا ليست اوربا بدلالة تحرر كتفيها من وطاة ثقل”المراحل التاريخية” الأربعة السابقة، وصولا الى الراسمالية، وهي نبت جديد شبيه بالحالة “السومرية” كما ظهرت اول مرة في التاريخ، وكل ماتشكلت أمريكا منه وفيه اليوم، هو”بدء” ميزته انه ليس بدءا من لاشيء، بل هو “بدء ثان” يتمتع بكل، لابل بخلاصة ماوصل اليه التاريخ الأسبق، وتلك بالذات خاصية ترتب عليها سلوك اجمالي طبع امبرياليتها، وجعلها “امبريالية إبادة واقتلاع للحضارات الأسبق”، فالامريكي المتفوق يستمد تراثه القصير من ممارسة” الابادة” التي الحقها بالسكان الأصليين، فهو وفي لاوعيه ممثل “عظمة” كيان، قام على محو ماقبله من اهل القارة الاصليين، وهو متفوق و “مختلف” ويجب ان يكون له على الصعيد العالمي دورا يلغي ماقبله، أي انه يلغي الحضارات السابقة، كشرط لظهور عالم جديد يشبهه وينتمي له، بصفته منتجا تاريخيا ينبيء بانتهاء تاريخ حضاري، وبدء اخر هو “أمريكا” ومايشبهها.

 

ولاشك ان ضخامة أمريكا، وتوفرها على مالم يسبق ان توفر لامبراطورية في التاريخ من إمكانات متشعبة، قد ساعد على تكريس حلمها المضمر، والممنوع من الإعلان تحاشيا لمزيد من اثارة ردة فعل الشعوب والأمم الأخرى، ولايمكن لاحد بالطبع ان ينكر خصوصية الظاهرة الامريكية، ولا ضخامة اثرها على العالم والعصر، غير ان الولايات المتحدة الامريكية، المرشحة في حال انكماشها وتراجعها لانتاج نزعات متعالية وعنصرية خطرة، لم يثبت انها قادرة على تغيير العالم على طريقتها، سواء بالابادة الجسدية او الحضارية للأمم والشعوب المنتمية الى “البدء الأول”.

 

وحتى لو ان أمريكا قد اضافت الكثير الى العصر الحديث وحفزته ديناميا، الا انها كما يبدو أخيرا قد غدت مستوعبة بناء على احتساب موازين القوى المستجدة الحالية والصاعدة والمتوقعة، فالراسماليات الاسيوية والشرقية تتحول باطراد الى قوى كابحة للغرب وامريكا في مقدمتها، وهي على وشك التفوق على القوى الغربية، مايعني قرب احتمال افول الطليعة الغربية وراس حربتها، بعد حلول لحظة سيادة فريدة مطلقة على العالم، تهيات للولايات المتحدة مع انهيار الاتحاد السوفياتي.

 

وأول مايلاحظ عند تحري شكل الاستجابة الامريكية للحدث السوفياتي، حقيقة عجز الوعي الأمريكي بإزاء الحقيقة الكونية المنبثقة في حينه، وهذا ماعززه الشعور العميق بالافضلية التاريخية المطلقة وقتها، فكأن الأمريكيين صدقوا ان التاريخ سائر لمصلحتهم وفي خدمتهم الى الابد، وانه سينتهي معززا سيادتهم على الأرض، ومثل هذا الشعور التاريخي الساذج يجعل انحدارهم صعبا، ان لم يكن خطرا، فلا احد يمكنه توقع نوع ردة الفعل الامريكية اذا ابتدات ازمتهم بالتفاقم مع تزايد شعورهم باستحالة استمرار نفوذهم على العالم، هذا على فرض تغير الادراك العالمي للوجود وللحضارة، ومفعوله على الخيارات والمفاهيم المتداولة حتى الان عن السيادة والوطنية والاستقلال، وعن ممكنات التنظيم الاجتماعي، مع مايمكن توقعه من انعكاس على الخيارات الامريكية يمكن ان يحول بينها وبين التصرف السليم والمتوازن.

 

وسواء تحملت البشرية نتائج هذا المازق الكبير الاما جديدة، ومصاعب وكوارث، او امكن استيعاب هذا المتغير، وهو الاحتمال الأضعف، فان الانهيار الأمريكي سيكتب وقتها على لوح الإنسانية والتاريخ مشفوعا بعبارة طلائع “البدء الجديد”، فالعالم سينتقل بالفعل نحو طور اخرعلى صعيد الأفكار وطرائق الحياة والمفاهيم وسبل التنظيم الاجتماعي والعمل، الا ان ظهور أمريكيا لن يوضع وقتها ضمن سجل إطالة امد سيادة الغرب، بقدر ماسيعرف باعتباره عنصر طي لهذه الحقبة من التاريخ، وقوة تحفيز استثنائي انتقالية تعقبها قفزة بشرية وإنسانية متجاوزة أصلا للامبراطوريات، ولاشكال السيادة والحكم المتعارف عليها حتى الان، وهو ماسيحدث في سياق وكحصيلة ل”التفاعلية الحضارية المندمجة” والكونية وقوة فعلها، لافعل أمريكا او الغرب بذاتهما.

 

لا ينبغي كما هي عادة العقل البشري السيئة، ان نطابق حرفيا بين انهيار الاتحاد السوفياتي، وبين احتمال نهاية الإمبراطورية الامريكية، كما نحتاج الى ان لا نصدق مدعيات الازليه الغربية و”نهاية التاريخ”، ومن المهم الى ابعد حد ان نحررعقولنا من سطوة ماتراكم في وعينا مما نعتبره ثوابت قارة، توجب “منطقيا” اعادة قراءة تسلسل يضع الغرب وامريكيا بمقابل الاتحاد السوفياتي، اقبل انهيار هذا الأخير، لتصعد أمريكا وحيدة قبل ان تعود لتتراجع، كما ان قانون القوة ك ” كم”، قد لايكون مازال يصلح للحكم في جميع الحالات، فتراجع الأخيرة لايعني اختفاء القوة الامريكية نهائيا من على وجه الأرض، لان الامبراطوريات في عصرنا تضمحل كامبراطوريات، وتبقى ككيانات، وهو ماسيسري على الحالة الامريكية، فاتحا عصرا جديدا من التفاعلية الحضارية والديناميات، وقوة دفع الحاجة الملحة للانتقال بعيدا عن احكام حضارة العمل اليدوي والالي.. ويومها يحل عهد “مالاعين رات ولا اذن سمعت”.

 

إقرأ أيضا