مارينا جابر لـ(العالم الجديد): رسالتي أكبر من مجرد دراجة هوائية

  على متن دراجة حمراء، تتجول فتاة عشرينية جميلة في شوراع بغداد، الأمر تجاوز تأثيره…

 

على متن دراجة حمراء، تتجول فتاة عشرينية جميلة في شوراع بغداد، الأمر تجاوز تأثيره العابر أو ما صاحبه من ضجة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، فاصبح ظاهرة تستدعي التأمل، فهل تنجح مارينا جابر في أن تصبح رمزا للتمرد وأن تتحول دراجتها الحمراء الى أداة لكسر القيود الاجتماعية التي طالما كبّلت حرية المرأة؟

 

مارينا.. الفنانة التشكيلية والناشطة المدنية الحاصلة على بكالوريوس في الصناعات الغذائية والتي أطلقت حملتيها #أنيالمجتمع” و #حصيّنحديد، تفتح قلبها لـ”العالم الجديد”، للحديث عن هذه التجربة:

 

 

متى راودتك فكرة التجول في شوارع بغداد على الدراجة الهوائية؟

 

كان ذلك خلال أول رحلة لي خارج العراق حيث شدني نمط الحياة الصحي للناس وسعادتهم وهم يتنقلون على دراجاتهم الهوائية. في تلك الزيارة ركضت وغَنيت ومشيت بحرية لأول مرة ففرحت وحزنت في نفس الوقت لأني تمنيت أن يعيش هذا الشعور كل عراقي وكل عراقية.  وفي يوم من الأيام عندما كنت امشي برفقة خطيبي، جذبني منظر الدراجات الهوائية المتوفرة للايجار والتي كان لونها أحمر و كانت أشبه بهدايا كريسمس. ومن دون تردد دعاني خطيبي لقيادة الدراجة سويا رغم تخوفي لاني لم اركبها منذ طفولتي. في تلك اللحظة، راودني شعور بالنصر وبالفخر وكأنني صنعت إنجازاً على الرغم من بساطة الفعل، ويعود ذلك ربما الى شعوري بالحرمان من ركوبه في بلدي لسنوات طويلة فعاهدت نفسي حينها وقلت “لازم أرجع لبغداد وأسوق بايسكل”.

 

 

وماذا فعلتِ عندما عدتِ إلى بغداد؟

 

بعد عودتي إلى بغداد، كنتُ أفكر كثيراً في الموضوع هل يا ترى سيُلاقي قبولاً أم رفضاً وماذا ستكون أسباب الرفض أو القبول، ومن ثم جاءتني فرصة للمشاركة في معرض يُدعى “تركيب” فاخترت تجربة قيادة “البايسكل” في شوارع بغداد لدراسة المجتمع أو دراسة حالة مجتمعية على الرغم من انني لم أدرس علم النفس، ولكني كنت أرغب بتجربة ذلك ومعرفة نتائجه.

 

 

هل لكِ أن تحدثينا أكثر عن هذا المعرض وعن مشاركتكِ فيه؟

 

معرض “تركيب” هو معرض فريد من نوعه يركز على فن التركيب أو “انستليشن آرت” وهو أحد أنواع الفن المعاصر الحديث الذي يَخلق مساحة أكبر للفنان للتعبير عن مايجول في داخله خصوصاً لمعالجة المواضيع الأكثر تعقيداً والتي تستدعي التفاعل بين المتلقي والعمل الفني حتى تصل الفكرة بشكل متكامل.

 

عملي يحمل عنوان “حصيّن حديد” حيث قمت بتفكيك دراجة هوائية حمراء تشبه دراجتي لكي أوضح للجمهور أن هذه الدراجة ماهي إلا أداة بسيطة تتكون من حديد وعجلتين و انها ليست مؤذية فلماذا لاتكون مرغوبة، ولماذا تثير كما هائلا من الجدل! كما اني علقت صوراً على جدار قاعة المعرض توثق تجربة تجوالي في شوارع العاصمة، ابتداءً من مناطق هادئة نوعاً ما إلى أخرى أكثر شعبية وازدحاماً..

 

 

في إحدى الصور المعروضة نرى أن رجلاً كان يقود دراجته توقف ليحدق بنظرات غريبة وبقالاً آخر كان يضحك مندهشاً، ولكن في صورة أخرى: يظهر الاثنان منشغلين بعملهما ولم يوليا اهتماماً لكِ، فما الذي نفهمه من تلك الصور؟

 

يتضح من الصورتين أن الرجل والبقال اعتادا على الأمر بعد دقائق من التحديق المستمر أثناء تجوالي بالقرب منهما فنستنتج من تلك التجربة أن التكرار يولد التعود والتعود يولد القبول لنخرج من تابو الممنوعات، خصوصاً فيما يتعلق بممارسات سلمية غير مؤذية وهذه التجربة مجرد مثال بسيط لأمور أكثر تعقيداً.

 

 
“حصيّن حديد” هو اسم العمل الذي شاركتٍ به في معرض تركيب، من أين استوحيتِ هذا الاسم؟
 

في الحقيقة أمي هي من اختارت هذا الاسم وهي تسمية استعملها أهلنا القدماء في أول ظهور للدراجة الهوائية.

 

 

15282045_10154289615581225_2143640823_n

 

 

لماذا اخترتِ دراجة حمراء؟

 

عندما كنت طفلة كنت أستعمل دراجة قريبي والتي كان لونها أحمر، إلى أن كبر قريبي فباعها جدي، وظلت “حسرة في قلبي”. ومن ثم بدأت التجربة بقيادة دراجات استلفتها من الأصدقاء إلى أن فاجأني خطيبي بدراجة لونها أحمر هي تلك التي كنت أقودها وأنا طفلة، وكانت هذه الهدية تعني لي الكثير.

 

 

كيف كانت ردود أفعال أهلكِ من تجربة “حصيّن حديد”؟

 

باشرتُ بالمشروع بدون علم والديّ لأن عائلتي كأي عائلة محافظة لم تكن مرحبة بالموضوع. ومن ثم ساندتني والدتي رغم خوفها وقلقها المستمر وساعدتني في اختيار الاسم. وازدادت سعادتي عندما أخبرني والدي انه سعيد وفخور جدا بالأخبار التي يسمعها. أما خطيبي فهو يساند افكاري ويتجاهل الانتقادات ويدعمني من خلال تغريداته على تويتر.

 

 

البعض يقول ان سبب جرأتك هو أنك متزوجة من رجل مثقف وحر الفكر، هل كنت ستقومين بنفس التجربة إذا كنتِ غير متزوجة؟

 

نعم كنت سأخوض نفس التجربة مع زوجي أو بدونه، ولكني أود أن أثني على مساندته لي والتي تعطيني دائما القوة لإكمال المشوار.

 

 
ماهي المناطق التي تجولتٍ فيها خلال تجربة #حصيّن_حديد وكيف كانت التحديات؟
تجولتُ في أماكن كثيرة من مناطق هادئة مثل حدائق أبو نؤاس مروراً بشوارع مزدحمة مثل الشواكة وحتى أكثر الأسواق اكتظاظا مثل الميدان. في سوق الشورجة مثلاً، تعرضتُ إلى مضايقات عدة وكلام بذيء لدرجة اني نزلت من الدراجة وابتعدت كي لا يسمع اخي الصغير تلك المسبات، ومن ثم اختبأت أنا وأخي وبرفقتنا المصور أيمن العامري لأفكر قليلاً بالذي كنت أقوم به، وللحظات ترددت و قلت في نفسي “شدا أسوي اني؟ اللي دا اسويه صح؟؟!!” و كنت خائفة جداً. ومن ثم فكرت إذا كنتُ أنا عاجزة عن قيادة دراجة هوائية بين الناس، فكيف سأشجع النساء على المطالبة بحقوقهن، كيف وأنا خائفة من ممارسة شيء بسيط كهذا. فنهضت ولملمت مخاوفي وركبت دراجتي من جديد وأنا مقتنعة تماماً اني المجتمع. بعد ذلك تعرضت إلى مواقف أكثر قسوة: ففي مرة من المرات دفعني أحدهم على سيارة وحاول آخر جر عجلة الدراجة ولولا ارتباكه من التصوير لتمادى أكثر.  لكن على الرغم من ذلك فالأذى الجسدي لايؤذيني، مايؤذيني فعلا هو إلزامي بأفكار لا اقتنع بها.

 

 

من بين كل تلك التحديات، لا بد أن هناك مواقف تحفيزية أعطتكِ الأمل و الدافع لتستمري بما بدأتِ به، أخبرينا عن تلك المواقف؟

 

بالتأكيد و إلا لما استمريت! اذكر جيداً خلال تنفيذ تجربة “حصيّن حديد”، كيف صفق لي رجل وقال “عفية..عفية” وكيف حيّاني البعض الآخر مُلوحاً بعلامات النصر. كما اتذكر في إحدى المرات اني مررت بالقرب من رجل مسن بيده سبحة فخفت وانصرفت مُسرعة وكدت أن اسقط فقال لي “لا عمو من تلوفين، سوقي بطيء حتى لا توكعين”، وهناك من كان يحرص على أن اسوق بجانب الرصيف، ولا أنسى من شجعني وقال “أنتِ بـ100 زلمة”.

 

 

ما هو أكثر موقف مضحك تعرضتِ له؟

 

في إحدى المرات وأثناء تجوالي في الشواكة، كان هناك طفل يقود دراجته بالقرب مني فقلت له أن يقترب مني ليحميني، فأجاب: “انت قابل سندريلا حتى احميج”. كلما أتذكر الموقف، أضحك لبراءة الطفل فهو لم يعرف لماذا أردته أن يحميني.

 

 
#اني_المجتمع، هو اسم الحملة التي اطلقتيها، ما معنى هذا الاسم؟
 

في الحقيقة لم أفكر باطلاق حملة في البداية وإنما دراسة المجتمع في تجربة (#حصينحديد) قادتني إلى ذلك. في السابق كنت ألوم المجتمع  على الأشياء التي لا أستطيع أن أمارسها ومن ثم وصلت إلى مرحلة أدركت فيها  “أني المجتمع”، أصدقائي وأهلي ونحن جميعنا المجتمع. لقد اتفقنا على أن لا نتقبل تلك الممارسات والتي هي سلمية وغير مؤذية. فنشرت صورة على الفيسبوك والانستغرام وكتبت “اني المجتمع”، في البداية لم أفكر في جعلها حملة ولكن نتيجة للإساءة التي تعرضت لها، نشرتها مرة أخرى، ولكن هذه المرة مع “هاشتاك” “انيالمجتمع”.

 

 
كيف كانت الانطباعات حول حملة #اني_المجتمع؟

 

لن تصدقي اذا قلتُ لكِ ان هاتفي لا يتوقف عن الرنين ووصلتني آلاف الرسائل من فتيات يرغبن بالمشاركة وكُنّ فقط بحاجة إلى من يخطو هذه الخطوة. رسائل من رجال التقطوا صوراً مع زوجاتهم وهم على أهبة الاستعداد للمشاركة معي. لن تتخيلي حجم الفرحة “هم من صنعوا الحملة” وأود ان أشكرهم كثيراً وأشكر مساندتهم لي.

 

 
من حملة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى تجمع أشبه بالماراثون سينطلق يوم  الاثنين القادم، قرب تمثال شهريار وشهرزاد في شارع أبو نؤاس، هل تتوقعين حضورا جماهيريا قويا؟

 

الى الآن أكد أكثر من ستمائة شخص الحضور وبلغ عدد الراغبين بالمشاركة حسب إحصائية الفيسبوك أكثر من ألف شخص من رجال ونساء ومن مختلف الأعمار. أنا متحمسة جداً للتعرف على من ساندني، انتظر بلهفة لأرى الفتيات والرجال مع زوجاتهم والشباب والأطفال. أريد ان أكحل عيوني برؤيتهم لتكتمل الفرحة.

 

 

لكن يوم الاثنين دوام رسمي، لماذا لم تختاري عطلة نهاية الاسبوع لتضمني عدداً أكبر؟

 

 

اخترت يوم الاثنين بناءً على طلب الكثير من الفتيات اللاتي لن يسمح لهن أهاليهن بالمشاركة وسيأتين من الجامعة أو أماكن عملهن. هؤلاء الفتيات سيبذلن قصارى جهدهن للتمكن من المجيء، لذلك يهمني أمرهن حتى لو كان العدد اقل لأن الحملة هي لأجلهن.

 

 

ختاما، ما هو هدفكِ من الحملة وما هي الخطوة اللاحقة؟

 

البعض يظن ان طموحي هو “البايسكل”، طموحي ورسالتي أكبر من مجرد دراجة هوائية، ركوب الدراجة هو أحد الممارسات التي لا يستطيع الانسان العربي ممارستها بحرية سواء امرأة أو رجل (بالطبع الأمر أكثر تعقيداً إذا تعلق الأمر بالمرأة) بسبب لوم المجتمع الذي هو أنا وهُم حتى إذا كان أمراً غير مرغوب أو غير محبب للبعض فليس من الصواب أن نمنعه.
والخطوة اللاحقة هي الاستمرار بما بدأت به فهذا المشروع لا ينتهي عند #حصيّن_حديد.

 

 

15328274_10154289615481225_880615395_n

إقرأ أيضا