مهرجان برلين السينمائي يحتفي بـ(راسمة) حدود العراق

هل هى مصادفة أن يُنتج فى هذا العام فيلم عن “جيرترود بيل”، التى لعبت دورا…

هل هى مصادفة أن يُنتج فى هذا العام فيلم عن “جيرترود بيل”، التى لعبت دورا كبيرا فى المنطقة العربية أثناء الاحتلال الإنكليزي وكانت المسؤول الأول عن رسم خريطة العراق.. وفيلم “ملكة الصحراء” بطولة نيكول كيدمان، يروي سينمائيا حياة مس بيل.

 

وحضرت نيكول المؤتمر الصحفي الذى تلا عرض الفيلم في مهرجان برلين السينمائي، إلى جانب مخرج الفيلم فيرنير هيرزوج وكل من جيمس فرانكو وديميان لويس اللذين شاركاها البطولة، فيما تغيب الممثل روبرت باتنسون الذي يؤدي دور لورانس العرب في الفيلم.

 

وكان بيل قد لمس تمثالا نصفيا في المتحف العراقي الذي ارتبط تأسيسه باسمها، ولكن التمثال اختفى من المتحف دون أثر قبل الاحتلال الأميركي. و”جيرترود بيل” باحثة ومستكشفة وعالمة آثار بريطانية، عملت في العراق مستشارة للمندوب السامي البريطاني بيرسي كوكس في العشرينيات من القرن الماضي، اسمها الكامل جيرترود بيل جاءت إلى العراق عام 1914 ولعبت دورا بالغ الأهمية في ترتيب أوضاعه بعد الحرب العالمية الأولى، فقد كانت بسعة علاقاتها ومعارفها وخبراتها بالعراق، أهم عون للمندوب السامي البريطاني في هندسة مستقبل العراق، يعرفها العراقيون القدماء بلقب الخاتون، ويعتبرها بعض المحدثين أنها جاسوسة وهي في الواقع موظفة بريطانية خدمت بلدها بريطانيا بكل جد وإخلاص.

 

اقترحت هي وتوماس إدوارد لورنس قيام مجلس تأسيسي للدولة العراقية بهدف تنصيب الأمير فيصل بن الحسين ملكا على العراق، ولها الفضل في تأسيس المتحف العراقي وظل المتحف حافظاً لأهم الآثار التي وجدتها والآثار العراقية البابلية القديمة والمخطوطات والتحف حتى عام 2003 في ظل تدهور الأوضاع أثناء حرب العراق فقد سرقت وخربت الكثير من الآثار وقد آرجع البعض منها خلال الفترة ما بعد عام 2006.

 

كانت ذات شخصية مؤثرة شاركت مجالس سيدات مجتمع ذلك الوقت وكانت تنتقد أسلوب التحدث الجماعي للنسوة، كما كانت معروفة على المستوى الشعبي وهناك قصة لها مع أحد قطاع الطرق (ابن عبدكه) قاطع الطريق، الذي اشتهر في مناطق شمال بغداد، عند بداية القرن العشرين، وحدث أن استولى على القطار الصاعد من بغداد، والتقى فيه بـ “مس بيل”، التي كانت تستقل القطار، وحين عرفها أكرمها، وعاملها بحفاوة، فتوسطت له، وأسقطت عنه الملاحقات القانونية، ووظفته في الدولة.

 

وقد زارت منطقة حائل في السعودية، وأوردت مشاهداتها عنها في مذكراتها. وتعد مس بيل من أهم الشخصيات البريطانية؛ ودراسة تاريخ المنطقة العربية الحديث وبالخصوص العراق وبلاد الشام والجزيرة العربية، لا يتم دون دراسة أوراق ورسائل المس بيل لما تحويه من معلومات مهمة وتقييمات بريطانية لحال المنطقة العربية.

 

زارت إيران في 1892 حيث كان عمها سفيراً في إيران. وأثر رحلتها إلى إيران نشرت رحلتها في كتاب (صور فارسية) كما ترجمت أشعار (حافظ) في إيران. وبدأ اهتمام مس بيل بالعرب والحياة العربية نهاية القرن التاسع عشر بداية القرن العشرين حيث قامت برحلة عام 1899-1900 لزيارة القدس وتعلم اللغة العربية والقيام ببعض الاستكشافات الأثرية.

 

كانت بيل أول امرأة في التاريخ تدون مدوناتها السياسية التاريخية في رسائل بلغ عددها 1600 وكذلك في يوميات بلغ عددها 16 مجلدا وأربعين كتيبا صغيرا و7000 صورة. في عام 1914 ذهبت إلى العراق (البصرة بعد دخول الإنكليز). وعند سقوط بغداد عينت السكرتيرة الشرقية للحاكم كوكس. وفي 1920، عام قررت بريطانيا الانتداب على العراق، كانت المس بيل المندفعة بعنف على إعطاء العراق الاستقلال. وإثر ثورة عشائر الفرات في العراق عقد ونستن تشرشل مؤتمرا في القاهرة وكانت المس بيل الوحيدة بين الرجال وفي الاجتماع تقرر تعيين الأمير فيصل الهاشمي ملكاً على العراق بعد إخراجه من عرش سوريا وبتأييد من لورنس المعروف آنذاك.

 

كتبت المس بيل تقول: (لن أسعى أبداً لخلق ملوك مرة أخرى أنها عملية متعبة جداً).. وكانت المرأة الوحيدة التي اختارها مكتب الاستخبارات البريطانية الخاص بالعالم العربي في القاهرة حيث عملت إلى جانب تي. اي لورنس البريطاني الذي أصبح لاحقا لورانس العرب الذي شارك في الثورة العربية ضد العثمانيين.

 

وكانت أيضا المرأة الوحيدة بين 39 رجلا اختارهم وزير المستعمرات ونستون تشرشل للمشاركة في مؤتمر في القاهرة عام 1921 حول مستقبل بلاد ما بين النهرين. وعندما قامت ثورة الشيعة في جنوب العراق التي أودت بحياة ثمانية آلاف بريطاني اقتنعت السيدة خاتون أن الإدارة البريطانية المباشرة ستكون مكلفة ومن الأفضل السعي إلى إقامة سلطة عراقية تعتمد على عناصر من النخبة في البلاد. وهذا ما حصل، وتبين أن الشيعة الذين كانوا رأس حربة الثورة العراقية على الانتداب البريطاني لم يحصلوا على أي مكسب سياسي، فقد فضل البريطانيون الاعتماد على الموظفين الذين كانوا قائمين في العهد العثماني وهم بالطبع من السنة لإقامة الدولة الجديدة الناشئة. وتعتبر الآنسة بيل أن “السلطة يجب أن تكون بأيدي السنة رغم قلة عددهم لأن تسلم الشيعة يعني قيام سلطة دينية.

 

في 16 ديسمبر 1913، انطلقت رحلة جيرترود بيل من دمشق، بقافلة مكونة من 17 بعيراً محملة بالمؤن والخيام، وثلاثة جمّالين، وطباخ، ومرشد، وقد تلقت تحذيرات عن المخاطر المحتملة، وبالرغم من أخذها الحيطة والحذر في ترحالها، فإن المخاطر واكبت رحلتها: حين هاجم قافلتها بعض الفرسان وسلبوا أسلحتها وذخيرتها عنوة، وانتظرت أسبوعاً حتى أعاد أحد شيوخهم ما سُلب، ثم اعترض طريقها مسؤول عثماني لمنعها من السفر؛ وبعد 10 أيام من المفاوضات المضنية، تمكنت من إقناعه بالسماح لها بالسفر. وعند مرورها بأراضي إحدى القبائل اعترض طريقها شيخ تلك القبيلة، ولم يسمح لها بالمرور، بحجة أنها “نصرانية”، واقترح سراً على رجال قافلتها قتلها وتقاسم حاجاتها، وفي حائل ظلت جيرترود بيل حبيسة في قصر برزان قرابة 11 يوماً، وقد سجلت معاناتها في يومياتها.

 

وكانت، مع كل تلك المصاعب، مفعمة بالحيوية والحماسة.. لعل أهم ما تميزت به رسائل الآنسة بيل هو أنها شكلت صورة حية لشخوص عامة، وإحداثا في طور التكوين، حملت في طياتها انطباعات وآراء صريحة ومخلصة وصادقة، وبعيدة كل البعد عن صيغ التكلف، ولكنها تفتقر في بعض أوجهها إلى الموضوعية أحيانا، بل وقد تتجاوز حدود اللياقة في أحيان أخرى، ولكنها تبقى أصيلة ولاذعة، تنبض بالحياة وتنطوي على الفراسة، وعلى درجة عالية من جمالية الوصف وروح النكتة، والأهم من ذلك كله فهي تعكس صورة لامرأة أحبت العراق وعشقت أجواءه وطبيعته، بكل ما لهذه الأجواء والطبيعة من أوجه التناقض، وشعرت أنها كانت جزءا لا يتجزأ منه، وأرادت بطريقتها الخاصة، وفي إطار ما تربت عليه من قيم ومفاهيم، وما انصرفت إلى اعتماده من معايير، أن تسهم إسهاما فاعلا في إعادة بنائه لينهض مرة أخرى صرحا حضاريا جديرا أن يكون مركز إشعاع وسليلا لأعرق حضارات الأرض، ومن بين أكثرها أثرا على السياق التاريخي لبني البشر.

 

من هذا الإطار ينبغي أن ننطلق بتقويمنا لشخص الآنسة بيل وأدائها، وما طرحته من أفكار وأراء، وما بدر منها من ردود أفعال تتعلق بالظروف التي عاصرتها، وأحكامها على من تعاملت معهم من الأشخاص، بريطانيين وعراقيين وغيرهم على حد سواء.

 

وتوفيت في 12 يوليو 1926 بسبب تناولها جرعة زائدة من الدواء، ولا يعرف إن كانت قد قصدت الانتحار أم لا، شيعت فى جنازة مهيبة، حيث شارك فيه الملك فيصل الأول، ودفنت في مقبرة الإنجليز في باب المعظم وسط بغداد.

 

إقرأ أيضا