نقد نقد الطائفية – النقد ترسيخ للطائفية

  عند ذكر مصطلح طائفية يتبادر لنا مباشرة الصراع السني- الشيعي، وقبل الدخول بهذا الموضوع،…

 

عند ذكر مصطلح طائفية يتبادر لنا مباشرة الصراع السني- الشيعي، وقبل الدخول بهذا الموضوع، علينا ان نُعرّف أنواع الصراع فهناك نوعان الأول “صراع افقي”، والثاني “صراع عمودي”. الأول يمثل صراع الشعب مع نفسه والثاني صراع الشعب مع السلطة. ما يمثله الصراع الطائفي هو من النوع الافقي، هذا النوع أداة من أدوات حرف الشعب عن المطالبة بحقوقه واستغلاله بكل صورة. وأبعاده عن الصراع العمودي مع السلطة لتحقيق مطالبه.

 
 
هل الطائفية عابرة للتاريخ والزمن؟

 

قبل الإجابة علينا بتعريف شرط النقد وهو «أن يكون بين الفكر المنقود والفكر الناقد اختلاف. وشرطه أن يمتلك الفكر الناقد أدوات نقده. والنقد انتاج لمعرفة هذا الاختلاف الذي هو، بين الفكرين، حد معرفي فاصل بينهما، إذا اختفى، انتفى النقد*«.

 

ما نراه من نقد مقدم لفكرة الطائفية لا يختلف بأدواته عن أدوات صناعة الطائفية، ان الفكر للمثقف الليبرالي بالخصوص يقدم نقدا دينيا رغم التزامه العلمانية/المدنية، فهو يرى الطائفية كما يراها الطائفيون ويتكلم بها بنفس كلامهم، يثبت احقية كل طائفة بصراعها وقولها من خلال نصها المقدس ومن خلال استعراض الحوادث التاريخية، لاغياً الصراعات واسبابها بكل مرحلة من مراحل التاريخ وكأنّ الطائفية حتمية تاريخية غير قابلة للتغير.

 

وهنا نتوقف لإثارة هذا السؤال: ان كان النقد لا يختلف عن الفكر المنقود فما الفائدة منه؟… وإذا كانت أدوات النقد تعزز الطائفية فكيف يمكن علاج المشكلة بالمشكلة؟… واعتقد علينا إعطاء مثال على هذا، فالنقد اليوم للطائفية يستحضر نصاً تاريخياً او حادثة تاريخية منذ قرون ولهذه الحادثة دوافع «اجتماعية وسياسية واقتصادية» خاصة بزمانها ويتم تركيبها على الحاضر، ويصبح منطق النقد أنّ الماضي يساوي الحاضر بكل تفاصيله!… إن ما يقول به هذا النمط من التفكير هو: أنه لا داعي إلى دراسة الحاضر وشروطه السياسيّة والاجتماعيّة والدينيّة لفهم ظاهرة الفتن ذات البعد الطائفي والمذهبي، إضافةً إلى ماهيّة الطائفيّة، لأنّ الماضي وحده كافي وكأنهم يجعلوها ثابت اسلامي. ولتفكيك نقد من هذا النوع نعود لمهدي عامل حيث قال «إنّ جذور أي ظاهرة اجتماعيّة، كالطائفيّة أو غيرها، هي جذور ماديّة، بمعنى أنها تمتد في القاعدة الماديّة للبنية الاجتماعيّة القائمة في حاضرها الراهن، لا في القاعدة الماديّة لبنية اجتماعيّة سابقة*«، ومعنى هذا القول ان لكل فترة زمنية كانت فيها احداث طائفية عوامل خاصة قد تنتفي في فترات لاحقة وتختفي، أي لا يمكن أن نحتكم للفترة العثمانية وطائفيتها، ومقارنتها بالطائفية بعد الاحتلال الأمريكي. فهل كانت أيديولوجية الدولة العثمانية نفس أيديولوجية أمريكا في عراق اليوم؟… وهل كانت البنية الاجتماعية للمجتمع بزمن العثماني مشابهة للبنية الاجتماعية لما بعد الاحتلال؟… فلا يمكننا المقارنة بين الدولة العباسية كمثال العراق اليوم، لأن الأيديولوجية الدينية كانت حينها هي أيديولوجية الدولة التي تفرض على المجتمع، الذي كان يخوض صراعاً طبقياً سياسياً عبر أشكال دينية. اما النظام الذي” أنشأه الاحتلال، هو شكل الدولة الطوائفية، أي الدولة التي تتشكل مؤسسياً على أساس تقاسم المسئوليات السياسية، والوظائف الحكومية بين الطوائف وفق امتياز لطائفة معينة. حيث يصبح رئيس الوزراء الذي هو السلطة شيعياً ورئيس الجمهورية كردياً ورئيس البرلمان سنياً. وهو نظام يعيد إنتاج التكوينات المجتمعية على أساس الطائفة، رغم أن من يحكم ليس بالضرورة طائفياً، أو أن من يوظف يجب أن يكون متمسكاً بالأيديولوجية الطائفية. هو تقسيم شكلاني يسمح ببقاء المجتمع غير متوحد متفرق، ويسهم في إنتاج التعصب الطائفي والحرب الطائفية. بالتالي يمكن القول بأن النظام السياسي ذاته هو نظام طوائفي، دون أن يكون من يحكم طائفياً، رغم أن موقعه يحدِّد الطائفة التي ينتمي إليها. ولهذا فإن الأحزاب غير الطائفية المعبّرة عن السلطة تميل إلى تملّق الطائفة، والحديث بلهجة طائفية. ليصبح هذا الشكل هو المعبّر عن مصالح فئة من طبقة، كي تهيمن على باقين.

 

كما ويرى الليبراليون ان الطائفية متصلة اتصالاً شديداً بالتاريخ كأي طائفي واذ ما استخدمنا شرط النقد نرى نصوصهم تراوغ، حيث ان نص النقد المقدم منهم يرى الطائفية من بداية الإسلام لكن الطوائف بغالبيتها كانت نتاج العصور الوسطى، أي مرحلة ما بعد انهيار الإمبراطورية العربية الإسلامية. في هذه المرحلة بالضبط تشكلت الأكثرية (السنّة) والأقليات. فقبل ذلك كان الإسلام دين سلطة، وكانت المعارضة الطبقية تتخذ أشكالاً دينية في الغالب، لكن كمعارضة طبقية سياسية*.

 

بالمحصلة نجد ان النقد الليبرالي للطائفية مطابق لنص السلطة المثيرة للطائفية كونها سلطة ليبرالية، وعليه أصبح النقد غطاء لنص السلطة او أداة تثبيت السلطة الممارسة للطائفية، وهنا تنتفي الحاجة الى النقد ويسقط مفهوم الطائفية العابر للتاريخ. ولتوضيح أكثر ان تعريف الطائفية في مفهوم السلطة هي نظام حكم الطوائف. والحكم هذا مشاركة بينها في توازن دقيق به تقوم الدولة، وبه تدوم. فإذا اختل، تفككت الدولة أو تهددها التفكك فتعطّل دورُها في إدارة مصالح الطوائف، وتأمين ديمومة حكمها، حيث عمدت السياسة الامريكية الى بناء نظام إدارة الطوائف “محاصصة” أدى الى فشل الدولة بفعل عوامل سياسية خارجية الى ازمة بإدارة شؤن الطائفة التشتت السني للسكان مهجرين ونازحين والهجرة الى خارج العراق للشباب من الجانب الشيعي إضافة الى سوء الخدمات بتلك المناطق، والحروب المفتعلة بين الطائفتين، بالإضافة الى توظيف وجود داعش دولياً والدعم الإقليمي كل طائفة، فظهر لنا خلل يهدد بتقسيم العراق، حيث يدخل المجتمع في أزمة تشخصها السلطة، بحسب مفهومها ذاك، كأزمة تعايش بين الطوائف وكما يروج له النقد الليبرالي لمشاكلنا اليوم ، فإما عودة إلى التوازن في الحكم، بعودة إلى المشاركة فيه وكسر نظام المحاصصة الطائفية والقومية، و إما استقلال لكل طائفة بحكمها الذاتي، في إطار خارجي من التعدد الطائفي، ربما كان عند البعض إطارا أقاليم، وهذا ما يروج له الفكر الليبرالي المتفق مع السلطة لتقسيم العراق، ولنا امثلة اليوم ان شيوع التفسيرات الليبرالية من المثقفين أدت الى اقتناع عامة الناس بالتقسيم كحل وحقن للدماء. ان السلطة والمثقف الليبرالي يروج لمفهوم لا وجود لشعب، وما دام الشعب طوائف، لا وجود لوطن. على هذا الشكل تقوم دولة الطوائف، وتدوم بديمومته. كأن منطقها الخفي أن تنتظر تفككا هو ضروري بضرورة وجودها. والتاريخ كما قلنا سابقاً كفيل بتحقيق هذه الضرورة كحتمية نهائية عابرة للزمان حسب اعتقاده، وبما انَ سياسة العالم سياسة ليبرالية جديدة تفرض على كل الدول بشمولية ان تطبق نهجها، نرى المستفيد الوحيد من هذه الاحداث طبقة السلطة وحاشيتها.

 

وبالعودة الى أنواع الصراع نفهم ان الطائفية ما هي إلا عملية صراع افقي بين الشعب ونفسه يعززه الفكر الناقد للطائفية لترسيخ الصراع وحرف جماهير الشعب عن المطالبة بحقوقها كشعب لا طائفة ويعطي كافة الصلاحيات للحكومة بتمرير سياستها الرأسمالية الليبرالية بتقسيم العراق وإقامة مزيد من الحروب والتربع على عرش السلطة. ان اول الاعمال التي يجيب ان يقوم بها الشعب هو تعديل مسار صراعه وتحويلة لعمودي باتجاه السلطة وإيقاف أصوات النقد المرسخة والمثيرة للطائفية من خلال خلق وعي طبقي حقيقي لا وعي زائف يخدم سياسات باقي الدول على حساب مصالحنا.

 

إقرأ أيضا