الشعراء والغاوون!

الشعراء والغاوون!

كثيرا ما ربط العربُ الشعرَ والفصاحةَ بالسحر، حين قالوا \"ومن البيان لسحرا\"، وربما يأتي هذا القول لما يتركه الشعر من تأثير نفسي على المتلقي، حيث قد تسعده بعض الابيات الشعرية أو تحزنه، وفي مراد آخر قد تغضبه، ولا أدري أيضا ما صحة ما ذهب إليه أبو نؤاس حين قال \"والشّعرُ مــن عُقَدِ السّحْـرِ\"، ولا علم
...

كثيرا ما ربط العربُ الشعرَ والفصاحةَ بالسحر، حين قالوا \"ومن البيان لسحرا\"، وربما يأتي هذا القول لما يتركه الشعر من تأثير نفسي على المتلقي، حيث قد تسعده بعض الابيات الشعرية أو تحزنه، وفي مراد آخر قد تغضبه، ولا أدري أيضا ما صحة ما ذهب إليه أبو نؤاس حين قال \"والشّعرُ مــن عُقَدِ السّحْـرِ\"، ولا علم لي على أيّ شيء استند في قوله هذا، الذي لا يعدو كونه أكثر من اطراء الشاعر لنفسه الذي يرى نفسه إما ساحرا أو نبيا.

منذ أيام كنتُ في مجلس جمعني ببعض الاصدقاء، أحدهم من الشعراء المميزين، وكنّا نتجاذب اطراف الحديث حول ما يدور في المشهد الثقافي، والأدبي على وجه الخصوص.

اخذتنا الاحاديث في جديد الشعر ونقده، ثم ذلفنا نحو اصدقائنا الشعراء بين مادحين لأحدهم، أو موجهين سهام النقد لآخر، وفي طبيعة الحال لم يخل نقدنا في حينها من ارتجال أو عدم تأني، لكنه هكذا ديدن الشعراء إن اجتمعوا.

وكنت مبتهجا مع صديقي لدعوة بعض الشعراء، سواء من العراقيين أو العرب الذين نتوسم في قصائدهم إبداعا، وفي قلوبنا محبة لهم، ليجتمعوا في ملتقى بغداد الشعري الثاني الذي تقيمه وزارة الثقافة، وكنتُ له من المقاطعين في دورته الماضية، التي حضرها شعراء عرب وعراقيين من داخل وخارج العراق، ومن بينهم شاعرة قادمة من مدن الضباب.

روى لي صديقي الشاعر عن هذه القادمة من بلاد الحضارة والتمدن، انها مارست \"السحر\"، نعم السحر الاسود وليس سحر البيان كما كنت اظن، ولا أدري كيف أتت بمجمرة وبخور الى فندق خمسة نجوم، ويواصل صديقي تعجبه من هذه الحال ويطرح اسئلته وهو يتعجب من ان يكون الفرد شاعرا حداثيا وينتهج كتابة قصيدة النثر ثم يعود إلى عالم السحر والجان والشياطين.

رأيي؛ الذي لم يسنح لي الوقت لأخبر به صاحبي، ان الحداثة ومدن الحضارة لا تغني عن الإنسان الذي يمارس ضحالته في كل وقت ومكان، ربما قد تزعج البعض حين نقول إن من المثقفين شعراء ولكن ليس كل الشعراء أو من يدعي كتابة الشعر من المثقفين، والشاعر المثقف يعبر عن موقفه الشعري والإنساني، أما من يكتبون طلاسم السحر على غرار سجع الكهان فهؤلاء ليسوا من الثقافة والتمدن في شيء، ما هم إلا كهنة طردوا من المعبد، أو حُطمت آلهتهم وساروا في الأرض يبيعون \"الدجل\" على الناس، وتكثر رؤيتهم في موسم الاعياد والمهرجانات.

لا أدري إن كانت شاعرة السحر والضباب قد أفلحت في كتابة تعويذة تمكنها من أن تحل ضيفةً مرة أخرى على وزارة الثقافة.. ربما!