(العالم الجديد) في بابل القديمة: مياه جوفية تحدث تشوهات في أساسات المدينة وسائحون يأخذون ما خف حمله

تاريخ النشر 2016-04-07 18:49:16 أخر تحديث 2019-08-24 00:56:19 (العالم الجديد) في بابل القديمة: مياه جوفية تحدث تشوهات في أساسات المدينة وسائحون يأخذون ما خف حمله

في الطريق الى مدينة بابل التاريخية وما ان يصادفك تمثال حمورابي قبيل مدخل تلك المنطقة الاثرية حتى تمتلكك هيبة التاريخ وشموخه الاخاذ، هيبة تستحضر اكثر من اربعة آلاف عام، سنون مرّت وانقضت ولم يزل بعض اسرار تلك الاثار موكول للأجيال القادمة، كلما اقتربت اكثر من ذلك المكان عظم في داخلك احساس متناقض حد الغرابة، من جهة تشعر بعظمة هذه الارض وعظمة ما فيها من منجزات، ومن جهة اخرى فان ذلك الشموخ الاخّاذ يكشفنا على حقيقتنا امام انفسنا قبل ان يكشفنا امام الاخرين.

[caption id="attachment_25510" align="aligncenter" width="426"]اطلال المدينة التاريخية وبالقرب منها يبدو قصر صدام- العالم الجديد اطلال المدينة التاريخية وبالقرب منها يبدو قصر صدام- العالم الجديد[/caption]

بعد التحية على حمورابي بقليل وصلنا بوابة مدينة بابل الاثرية ومنتجع صدام حسين الذي يضم قصورا رئاسية وكذلك قاعة معرض بابل الدولي، قيل لنا: "انتم محظوظون"، حيث فتحت الابواب امامنا وكانت موصدة حتى دقائق قليلة قبل مجيئنا بسبب خلاف بين دوائر الدولة العراقية على عائديّة المنطقة، فوزارة المالية تدّعي انها صاحبة اليد الطولى في تلك المنطقة برمتها، فيما تخالفها في ذلك وزارة السياحة جملة وتفصيلا وتطالب بإخضاع المنطقة بما فيها لصلاحيتها، اما الجهة الثالثة فهي الحكومة المحلية في محافظة بابل اذ تدّعي هذه الاخيرة انها صاحبة الاولوية وصاحبة القرار في المنطقة الاثارية وقصر الرئيس السابق، جدل بيزنطي لا ينتهي اغلقها بوجه الزائرين مرات كثيرة وابعد بعض المستثمرين الذين قدموا من بلدان عدة وخاضوا مفاوضات مضنية من اجل تحويل قصر الرئيس الى مشروع استثماري ضخم، لكنهم خرجوا منها بخفي حنين!

[caption id="attachment_25511" align="aligncenter" width="402"]اسم صدام في اثار بابل - العالم الجديد اسم صدام في اثار بابل - العالم الجديد[/caption]

ورغم ما يصاحب المرء من احاسيس متناقضة فإن التجوال في المدينة التاريخية ممتع الى ابعد الحدود، فمن بوابة عشتار، اسد بابل، بقايا المتاهة التي بنيت لأغراض عسكرية، الى شارع الموكب، بوابات المدينة، "معبد ننماخ" المبنيّ من مادة الطين فقط، بقايا الجنائن المعلقة الى مسرح بابل وعشرات التفاصيل الكثيرة التي تصادفك هناك.

الى جنب تلك الاثار العظيمة اختار صدام حسين موقعا استراتيجيا لبناء مجمع رئاسي بكل ملحقاته، امامه اطلالة على النهر وغابات النخيل، وخلفه المدينة الاثرية التي يقف تاريخ الدنيا لها اجلالا وتقدير. القصر هو الاخر تحوّل الى خربة وهيكل متروك بعدما اهملته الجهات المعنية واهملت المرافق الحيوية المحيطة به. كان صدام مهووسا بالخلود والعظمة، والى جنب ما تبقى من اثار البابليين اراد له قصرا هناك على مرتفع بارز، لم يكتف بذلك بل احدث ايضا تشوهات كبرى في بنية المدينة الاثارية، وذلك لأنها بنيت وفق اسس غير علمية بالإضافة الى طلب صدام حسين نحت اسمه على الاجر الذي بنيت منه المدينة التاريخية. وهذا ما ابعدها عن لائحة التراث العالمي.

[caption id="attachment_25512" align="aligncenter" width="418"]شارع الموكب الملكي - العالم الجديد شارع الموكب الملكي - العالم الجديد[/caption]

العبث واللامبالاة بتلك المنطقة التاريخية لم يتوقف على افعال صدام حسين، فهي لازالت تتعرض لمزيد من الإهمال، المياه الجوفية تنخر فيها، المارة يأخذون ما تيسر، اهمال الجهات المشرفة لها، عبث الزائرين وهذا ملحوظ بشكل فاضح، حيث يتسلق بعضهم اسد بابل على سبيل المثال ويعبثون ببعض المرافق الخاصة بالمدينة، معظم المعالم تفتقر الى اللوحات التوضيحية وليس هناك مسار محدد يسلكه السائح كما هو متعارف عليه في الكثير من المواقع الاثارية في العالم مع غياب تام للمطبوعات والقصاصات الصغيرة التي عادة ما تتوفر في اماكن مشابه، ناهيك عما اعلن قبل فترة عن زحف الصناعات النفطية وانابيب الغاز على تلك المنطقة وبمسافة قريبة جدا من اطلال اسوار المدينة القديمة. ان ما نقب من اثار في تلك المنطقة ما هو الا جزء بسيط من ذلك  الصرح الآثاري المترامي الاطراف، والذي تعرض لعمليات تشويه وتخريب متعمد طيلة العقود الماضية، واجريت حوله محاولات تنقيب سريعة تنفذ عن طريق الحفر بالجرّافات اولا ثم بعد ذلك يبدأ البحث والتنقيب بما تم جرفه! كان المفترض بوزارة النفط ان تسعى جاهدة لتلافي الاضرار السابقة وتفكيك الانابيب القديمة الممتدة بقرب الاثار وابعادها عن ذلك المحيط تماما لا ان تتحجج بأخطاء بل خطايا سابقة لتبرير خطأ جديد!!

لقد اهملت الاثار العراقية بما يكفي وبدل اهتمام اصحاب القرار بها تحاصر بين الحين والاخر لأسباب مختلفة، لقد فشلنا حتى في الحفاظ على ما تبقى من شواخص ومعالم تحفظ لذلك البلد المضاع شيئا من هيبة تاريخه الطويل، انه ارثنا الذي ليس لنا سواه فخر في هذا الزمان، فحاضرنا بائس بإفراط، ومستقبلنا يدعو للقلق، إنه وديعة اسلاف عظماء خلّفوه نهبا لشر خلف! خلف اضاعوا ذلك المجد واصبحت غايتهم الاولى البقاء في مؤخرة الركب، فهل تجد استغاثات المدينة الاثرية في بابل اذانا صاغية؟!

المصدر: