رسالة الى حيدر الخوئي

تاريخ النشر : أخر تحديث : 2017-09-23 20:52:44

رسالة الى حيدر الخوئي

  قرأت مقالا مترجما الى العربية للسيد حيدر الخوئي نجل السيد مجيد الخوئي كتبه في موقع (war of Rocks).   وقد وجدت من المناسب الرد على هذا المقال لما يحمل في طياته من مغالطات، ونوازع شخصية، واسقاطات كلامية وفقهية بعيدة عن الواقع ببعد حيدر الخوئي عن النجف الاشرف والعراق.   وأحاول ان يكون ردي على شكل رسالة موجهة له تتضمن مجموعة نقاط هي:   أولا: الأخ حيدر عندما تتحدث عن النجف الاشرف وقم المقدسة عليك ان تجرد نفسك من اية صفة عراقية اوعربية وتتحدث بلغة البريطاني، لانك رجل بريطاني فحسب.   وربما يتصور البعض اني اتهمك باتهامات فيها تحامل على شخصك الكريم، ولكن حتى يعرف القارئ حقيقة ما اقول، أذكرك بموقف حصل معك وانا حاضر فيه.   فقبل ثلاث سنوات تقريبا قدم (مركز الدراسات الاستراتيجية) التابع لوزارة الخارجية في ايران دعوة لخمسة اشخاص سياسيين عراقيين لتقديم رؤية او تصور للاحداث في العراق بعد سقوط الموصل عام 2014 وكنت انت احد المدعوين، وعندما جاء دورك لتقرأ بحثك، كنت مصرا على قراءته باللغة الانكليزية، في الوقت الذي كان اغلب الحضور عراقيين وايرانيين، فطلبوا منك ان تتحدث اما باللغة العربية او الفارسية حتى تسهل عملية الترجمة، ولكنك كنت مصرا على اللغة الانكليزية وقلت مانصه (اني رجل بريطاني، ولا اتحدث الا بلغة قومي)، وهذا من حقك بالتأكيد، ولكن عليك ان تتحمل لوازم هذا الحق، وهو انك لست عراقيا، فضلا عن كونك نجفيا.   ثانيا: يبدو انك لست ببعيد عن النجف وحوزتها مكانيا، فحسب، بل ان البعد المكاني الذي عشت وترعرعت فيه في بلد الضباب اوجد ضبابية فكرية وفقهية لديك، واتمنى ان لاتكون نزعة شخصية في ايجاد التفرقة بين الحوزات العلمية ومدارسها ومتبنياتها الفقهية المختلفة وهي سائدة -المتبنيات- منذ تاسيس الحوزة العلمية في الحلة وكربلاء المقدسة وسامراء، فضلا عن النجف الاشرف وقم المقدسة، دون اظهار تلك الاختلافات على شكل صراع عقائدي من اجل التسلط والهيمنة كما تتصور.   ثالثا: تقول في مقالك (السيستاني لايؤمن بولاية الفقيه خلاف الخميني)، وهذا نص كلامك في ذكرك للمراجع وكذلك الائمة (عليهم السلام)، دون مقدمات، مثل (عليه السلام) او (دام ظله)، كما هو معتاد في اداب الكتابة والذوق العلمي لدى الكتاب الشيعة الاسلاميين.   لكنك عرفت شيئا وغابت عنك اشياء، فعليك ان تعرف اولا ان اجماع فقهاء الشيعة بلا استثناء يؤمنون بولاية الفقيه، لكن الخلاف في سعة الولاية وضيقها، فبعضهم يرى ان الولاية مقتصرة على القاصرين والامور الحسبية، بينما يرى البعض الاخر ان سعتها تصل الى سعة صلاحية المعصوم بوصف الفقيه نائب الامام عليه السلام في عصر الغيبة.   أما قولك ان الامام السيستاني (دام ظله)، لا يرى الولاية للفقيه، فعليك أن تراجع كتاب (القواعد الفقهية) للامام السيستاني، حيث يؤكد على الولاية العامة كما يقولها الامام الخميني (قدس سره)، لكن الامام السيستاني يرى لاعمالها شروط ومنها (أن تكون للولي الفقيه مقبولية لدى عامة الناس)، وهذا الشرط أيضا يشترطه الامام الخميني في اعمال ولاية الفقيه، حيث يشترط المشروعية للولي الفقيه والمشروعية عنده ان (تحظى الولاية) بمقبولية لدى الناس، ولهذا طالب الامام الخميني باجراء استفتاء شعبي لمعرفة مدى رضا الناس عن (الجمهورية الاسلامية).   لا اريد ان اذهب بك بعيدا في امهات الكتب الكلامية والفقهية التي تناول فيها الفقهاء في دروسهم وموقف الامام السيستاني (دام ظله)، لكني ساكتفي بنقل مقطع واحد لممثل الامام السيستاني، وهو الشيخ عبد المهدي الكربلائي في لقائه مع (مجموعة من شباب المشروع الثقافي العراقي)، حيث اكد على ان (البعض يضيق الارتباط ويجعل المرجع فقط في مسالة العبادات والمعاملات، وهذا غير صحيح، خصوصا ان في الوقت الحالي سماحة السيد السيستاني (حفظه الله) بين الموقف في جميع المجالات سواء كان منها المجال السياسي، او الاقتصادي او الاسري والاجتماعي وغير ذلك من مجالات الحياة والتي تقع ضمن مجالات الابتلاء، بمعنى اخر نحن علينا ان نعطي لمنظومة المرجعية حقها في الرجوع اليها في جميع مجالات الحياة، لان البعض اذا اراد ان يعرف حكما شرعيا يرجع للفقيه واما في بقية المجالات الاخرى ياخذ من غيره وهذه مشكلة، لانه حجة علينا في جميع المجالات، فعلينا ان نرجع في جميع المجالات ونسلم لما يعطيه من موقف وننقاد اليه ونطبقه (فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجا فيما قضيت ويسلموا تسليما)، واننا نشخص الجهة والامام الحجة -عج- (الامام الثاني عشر للشيعة –المحرر-)، شخصها (واما الحوادث الواقعة فارجعوا الى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم، وانا حجة الله عليهم)، ونرجع اليهم ثم نسلم ثم ننقاد بالاتباع والعمل به- انتهى الاقتباس.   أرجو أن تتمعن بقراءة كلام ممثل الامام السيستاني (دام ظله)، لتفهم ما معنى أن يرجع المكلف الى المرجع في كل اموره السياسية والاقتصادية والاجتماعية والاسرية وغيرها ثم يلتزم ويطيع وينقاد، فاي ولاية للفقيه اوسع من هذه؟.   نعم الامام السيستاني يرى بان ولاية الفقيه غير قابلة للتطبيق في العراق لانه لا يحظى بمقبولية لدى عامة الناس كما يشترط ذلك، بسبب وجود قوميات ومذاهب واديان لاترى ذلك، وبالتالي لا تتحقق (المشروعية) في تطبيقها، وهو ما يراه الامام الخميني (قدس سره) ايضا فافهم ذلك.   رابعا: تقول (انك تشعر بالحيرة من الدهاء الايراني الذي يحاول استهداف مستقبل العراق السياسي ومجتمعه الشيعي بالاخص ولاسيما وان السيستاني بلغ من العمر 86 عاما) انتهى الاقتباس.   هذه الجملة التي ذكرتها تؤكد بعدك  ليس عن عراقيتك فحسب، بل حتى عن تشيعك ايضا، لان اغلب العراقيين وبخاصة الشيعة قلقون على مستقبل العراق السياسي ومجتعمه الشيعي من الارهاب الوهابي والفكر التكفيري الذي اسسته دولتك (بريطانيا ) في القرن الماضي بتجنيد محمد عبد الوهاب ونشره لهذا الفكر التكفيري بعد لقائه بالجاسوس البريطاني (ج ج همفرج).   وها نحن اليوم نحصد ما زرعته بريطانيا بالامس وتعيد انتاجه من جديد في هذه الايام، ليس فقط من خلال تاجيج الصراع الطائفي بين المسلمين من خلال فتاوى علماء (الشجرة الملعونة) فحسب، بل حتى من خلال بعض المغتربين الذين كانت لهم جذور اسلامية، بتوظيف اقلامهم لاسيادهم في الغرب وكتابة المقالات التي تحاول نشر التفرقة بين ابناء المذهب الواحد.   اعطني نموذجا او مثالا واحدا لاستهداف ايران لمستقبل العراق السياسي والاجتماعي كما تزعم؟   1- هل تدعو ايران الى تقسيم العراق  كما تدعو بريطانيا وامريكا؟   2- هل شجعت ايران المجتمع العراقي على التفرقة  كما تدعو السعودية وامارات الخليج الاخرى؟   3- هل قدمت السلاح لداعش كما تفعل السعودية وامريكا والغرب؟   4- الم تشارك العراقيين بالقتال ضد الارهاب  وقدمت شهداء تلو الشهداء في الوقت الذي تشارك السعودية واغلب الانظمة الاخرى مع الجماعات الارهابية في القتال ضد شعب العراق؟   5- الم تقدم المساعدات العسكرية والخبرات الامنية والاموال للعراق لقتال داعش، في الوقت الذي تقدم مخابرات بندر بن سلطان وتركي الفيصل كل امكاناتها العسكرية والامنية واللوجستية للجماعات الارهابية؟   6- الم تدعم الاكراد والسنة واالشيعة معا وتحثهم على الحوار من اجل وحدة العراق واستقراره؟   قد تقول ان مصالحها تقتضي ذلك، نعم وانا اقول ان مصالحها تقتضي ذلك، ومصالحنا تقتضي ذلك، اذا مصالحنا ومصالحهم المشتركة تدعو الى وحدة العراق ومحاربة الارهاب.   خامسا: انك تتعرض بالنقد لكتاب (الخامنئي قائدي)، لتحاول ايصال فكرة لقرائك في العالم الغربي ان (هناك تقاطع بين السيستاني والخامنئي) - انتهى الاقتباس من مقالك.   للاسف الشديد انك تنتسب الى تراث مرجع الطائفة الامام الخوئي (قدس سره) لكنك لم تحصل من ذلك التراث الا على ثقافة الحواشي التي طالما رايناها وعاصرناها وهي تنفخ بالمسائل الجزئية لتحولها الى قضايا كبروية تبني عليها اوهامها وتعتاش عليها.   اتمنى ان تشفع حديثك عن الخلاف بين الامامين السيستاني والخامنئي (دام ظلهما) ببعض الادلة، بينما اراك تتغافل عن قصد عن نقاط الالتقاء بين المرجعين الكبيرين.   وحتى لا اطيل اكثر فاني استشهد لك بثلاثة مواقف تبين مدى التطابق بين الامامين.   الاول: ان الامام الخامنئي (دام ظله)، يؤكد في اكثر من مناسبة ان الامام السيستاني مرجع كبير وواجب الطاعة وان المساحة التي يتحرك بها ستكون محل احترام وتقدير، ولا يسمح لاي شخص ان يتدخل في تلك المساحة.   الثاني: في فتوى الجهاد الكفائي للامام السيستاني (دام ظله)، كان الامام الخامنئي يقول: (انها فتوى فيها بعد غيبي ونعمة الهية).   الثالث: في تشكيل الحكومة في عام 2010 حاول الامام السيستاني ان يوحد موقف زعماء التحالف الوطني دون جدوى، فطلب من الامام الخامنئي ان يتدخل وعندها تدخل الامام الخامنئي بطلب من الامام السيستاني.   وهذا هو ديدن الحكماء، فضلا عن علماء ومراجع الشيعة، فانهم لا يتقاطعون، وبخاصة في القضايا التي تهم وحدة الامة وامنها واستقرارها فافهم.   سادسا: انك اسات للامام السيستاني من حيث تشعر اولاتشعر وذلك بقولك (ان شبكة السيستاني العالمية المكونة من مؤسسات وممثلين ستلعب دورا رئيسا في تشكيل المرحلة الانتقالية وسيميلون الى واحد او اكثر من رجال الدين بعينه بعد وفاة راعيهم) - انتهى الاقتباس من المقال.   انك بقولك هذا تتعاطى مع المرجعية الدينية كاي كيان سياسي براغماتي يبحث عن مصالحه ونفوذه من اجل الوصول الى اهدافه.   وهذا كلامك اما ان يكون صادقا او كاذبا (قضية على نحو منع الخلو) حسب تعبير المناطقة.   فان كان كاذبا فعليك الاعتذار، وان كان صادقا فهذا يعني ان مؤسستكم (مؤسسة الخوئي)، كان لها الدور الكبير في تتويج الامام السيستاني مرجعا للتقليد في النجف الاشرف بعد وفاة الامام الخوئي (قدس)، لانها كانت تروج له في حياة عمك السيد محمد تقي الخوئي، وان اقصاء المرجع السيد عبد الاعلى السبزواري كانت بسبب عدم اعطائكم وكالة في ادراة شؤون المؤسسة، ولهذا انت تتحدث عن ثقافة الشبكات والمؤسسات والممثلين في تتويج المرجع البديل عن الامام اسيستاني بعد عمر طويل.   اننا نؤمن بان هناك قواعد واوصول واليات فقهية في معرفة المرجع ومعرفة الاعلم من الفقهاء، وليس منها متبنياتكم التي ذكرتموها من حواشي وممثلين او شبكات تسوق له، والا لضاع الدين وضاعت الحجة بسبب تلك الدعايات وذلك التسويق الاعلامي.   سابعا: واخيرا اتمنى ان لاتجعلك نزعتك العلمانية (المكثفة)، وتربيتك الغربية (البريطانية) ان تجر الدين وقواعد الفقه والاعراف الحوزوية الى شهواتك الشخصية، ولا تسقط نزعتك الشخصية على اصول الحوزة وقواعدها، وان لا تستغل ارث جدك الامام الخوئي (قدس)، لتبشر بالعلمانية على انها واحدة من اصول الدين والمذهب، وان  الدين لا يعدوا الى كهنوت جديد وتحجر عليه بين جدران اربع.   ان زمن التحجر قد ولى، وان زمن التجهيل والضحك على عقول الناس قد توقف، ونحن اليوم نعيش في زمن الاسلام المحمدي الاصيل الذي اصبح وببركة علمائنا ومراجعنا الحركيين الثوريين مشروعا يهز اركان الاستكبار العالمي، وترتعد منه فرائص امريكا واسرائيل ودولتك التي تعتز بها (بريطانيا) والسلام.  

المصدر: