هل عراقيتي في خطر؟

هل عراقيتي في خطر؟

ربما محض مصادفة، وربما حصل كل ما حصل بتخطيط، بالنسبة لي، وعلى المستوى العاطفي والعملي، لا يعنيني كثيرا كيف تشكلت صورة العراق الحديثة، لقد ولدت ووجدت العراق على ما هو عليه الآن بحدوده وجغرافيته وغنائه وبكائه. كانت صورة العراق العثماني مختلفة عن صورته تحت تأثير المزاج الإنكليزي، وأظن أن في العراقيين
...

ربما محض مصادفة، وربما حصل كل ما حصل بتخطيط، بالنسبة لي، وعلى المستوى العاطفي والعملي، لا يعنيني كثيرا كيف تشكلت صورة العراق الحديثة، لقد ولدت ووجدت العراق على ما هو عليه الآن بحدوده وجغرافيته وغنائه وبكائه.

كانت صورة العراق العثماني مختلفة عن صورته تحت تأثير المزاج الإنكليزي، وأظن أن في العراقيين من أسف على هذا التحول، وما صاحبه من قص ولصق في خارطة وطن لم يتشكل بعد في مفهوم الجغرافية السياسية المعاصرة، وعد الأمر مؤامرة مدمرة لصورة وطن، وربما ظهر فيهم من وجد في الخيال الإنكليزي حكمة حكيم عرفت كيف تحصر الوطن في خطوط الطول والعرض.

العراق الذي ورثته إذن، وتشكل في وعيي، ليس العراق السومري، ولا البابلي، ولا العباسي، ولا حتى الإنكشاري، إنه العراق بنكهته الإنكليزية. كان يمكن للمس (بيل) وفريق المخابرات البريطاني المرافق لها أن يفرضوا شكلا مختلفا للوطن، مثلما فرضوا عليه ملكا حجازيا، كأن يشطروه إلى ثلاث أو أربع أو خمس جمهوريات، أو ممالك، أو إمارات، وسيمضي كل شيء في طريقه بهدوء، سنعود إلى بيوتنا بسلام، وسننام على نفس الأسرّة، وسنتذوق نفس الطعام، ونستمع إلى ذات الأغاني.. سيطربنا ناظم الغزالي البغدادي، ونتمايل مع بنات حمدية صالح الغجريات، ونرقص على إيقاعات الجوبي الصحراوية.

لقد تشكلت لدي ولدى أبناء أربعة أجيال منذ العام 1921 وحتى لحظة كتابة هذه الكلمات صورة للعراق، وتشكلت معها هوية عراقية، تشبه تماما هوية فريق كرة القدم الذي سيضم بالضرورة لاعبين من الموصل وبغداد والبصرة والعمارة والأنبار. وبسبب هذا التشكل الذي ألفته ذائقتي وتربت عليه فكرتي عن الوطن، صار لدي شيء عزيز اسمه العراق.

هنا تماما تكمن خطورة فكرة التقسيم، أن تتعرض صورة الوطن إلى الاهتزاز، نحن البشر بطبيعتنا لا نستطيع إعادة صياغة فكرة الحب، الحب يأتي مرة واحدة ودفعة واحدة، أشبه بصفقة قدرية لا تحتمل إعادة النظر. وهذا ما يحصل في علاقتنا مع الوطن. أنا وأنتم وربما كل الكائنات العاقلة، لدينا فكرة مشحونة برومانسية باذخة عن البيت والحارة والمدينة والوطن. كيف يتسنى لنا إعادة صياغة حبنا الرومانسي؟!

حسنا، المشكلات السياسية التي تطفو فوق السطح، وتبدو تافهة جدا، هي بالضرورة ذات جذور ليست تافهة، قد نستطيع بقبلتين، وبضعة كلمات ناعمة أن ننهي مشكلة سياسية كبيرة، ونرطب فورة انفعالات شخصية مدمرة، ولكن لا يمكن بذات الأسلوب أن نصبح كلنا شيعة أو سنة، وغير مسموح أن نتحول كلنا بالقبلات نفسها إلى عرب فقط أو أكراد فقط.

الطريق إلى الجحيم محفوف بالنوايا الحسنة،.. لكن لا أحد سيغفر لنا سقوطنا في شرك الكراهية، لا بأس لنتقاسم العراق إذا كان في تقاسمه خير، ولا بأس أن نختلف طوائف ومذاهب وقوميات، ولا بأس أن نحطم بعض الأصنام التي ورثناها من العباسيين والسلاجقة والعثمانيين والإنكليز، فهم ليسوا قديسين، والسبب بسيط جدا، فالوطن الذي يسكن في أعماقنا يعرفه العراقيون فقط، ويستطيعون تلمس ملامحه بمجساتهم الخاصة، حتى وإن تشكل وتغير وتبدل.

 

الوطن الذي أخاف عليه ليس في الجغرافيا، ولا في التاريخ، إنه موجود في صوت أغنية عميقة رددتها ذات ليلة بعيدة أم رافدينية، وما تزال ترددها الأمهات القادمات من المستقبل.