وادي يستعرض هيكل روائيا وناقدا وصحفيا في كتاب جديد

وادي يستعرض هيكل روائيا وناقدا وصحفيا في كتاب جديد

في مائتي صفحة من القطع المتوسط، صدر عن دار النشر الجامعية بالقاهرة، كتاب \"هيكل رائد الرواية.. السيرة والتراث\" للدكتور طه وادي، حيث يتناول الكاتب حياة الراحل الدكتور محمد حسين هيكل ومراحل تكوينه بالإضافة إلى تحليل تراثه الأدبي والفكري، وبيان دوره في النهضة الأدبية والفكرية والصحفية التي مرت بها مصر
...

في مائتي صفحة من القطع المتوسط، صدر عن دار النشر الجامعية بالقاهرة، كتاب \"هيكل رائد الرواية.. السيرة والتراث\" للدكتور طه وادي، حيث يتناول الكاتب حياة الراحل الدكتور محمد حسين هيكل ومراحل تكوينه بالإضافة إلى تحليل تراثه الأدبي والفكري، وبيان دوره في النهضة الأدبية والفكرية والصحفية التي مرت بها مصر في النصف الأول من القرن العشرين، باعتباره أباَ للرواية المصرية وصاحب أول معلم فيها، وأول دور طليعي في كتابة الأقصوصة، فضلا عن كونه ناقداً واسع التخصص والمعرفة التي مكنته من المساعدة على تكوين الكثير من الاتجاهات النقدية والأدبية، هذا بالإضافة إلى حياته الزاخرة التي عاشها بالطول والعرض في دنيا الساسة والسياسة.

جاء الكتاب في خمسة أبواب وعشرة فصول على التقريب؛ الباب الأول بعنوان \"سيرة هيكل\"، والثاني \"هيكل ناقداً\"، والثالث \"في إطار فنون القص\"، والرابع \"السير الأدبية\"، والخامس الأخير جاء بعنوان \"المقال الصحفي\".

والدكتور طه وادي له العديد من المؤلفات في مجالات عديدة منها الدراسات الأدبية والغبداع الأدبي والدراسات الدينية ، وهوابن من أبناء محافظة الدقهلية، ذات الإقليم الذي ينتمي إليه الدكتور محمد حسين هيكل. 

 

حياة هيكل 

استهل الكاتب بالحديث عن حياة الدكتور محمد حسين هيكل، انطلاقاً من النشأة وحتى ولوجه خضم الحياة السياسية والأدبية وسفره إلى باريس وموقفه من الحركات الإصلاحية في ذلك الوقت . وكان مما ذكره في هذا الشأن أن من يقرأ مذكرات هيكل في باريس يستطيع أن يتلمس جلياً مدى اضطرابه في قبول بعض الأفكار الدينية وخاصة الغيبي منها ، وأنه يبدو أنه كان على وفاق مع الدين طوال إقامته في مصر ، فلما سافر إلى باريس طرأت عليه تغييرات ظهرت أوائل أكتوبر سنة 1909م في يومياته المخطوطة ـ أي بعد ثلاثة أشهر من سفره ـ فهو لكثرة ما قرأ في كتب الأدب والاجتماع وما رأى من مشاهد الحياة الباريسية أصبح \" مزعزع الاعتقاد في أن الدين لازم لحفظ كيان الخلق العام \" ثم يقرأ كتاب توماس كارليل عن البطولة والأبطال فيراوده الشك في الكتب الدينية ، ويرى أن الأنبياء مثل الأدباء أو الشعراء كل منهم يصدر عن إلهام خاص ، أما الغيبيات فهي أمور يحوطها الشك في نظره . ويقرر الكاتب أن هيكل بعد هذا الشك بأيام نجده يذكر في إيمان عميق أن \" الكتب المقدسة أمل الإنسانية الكبير في أن تصل إلى كمالها وتبلغ الغاية التي أعدتها لها القدرة الإلهية \" ثم يضيف: \"أخلص روحك من ظلمات الباطل تصل من الحقائق إلى ما حواه هذا العالم ، وتطلعك الطبيعة على سنتها الأزلية\". 

 

تحرير المرأة 

ويشير الكاتب إلى أن نشاة هيكل الريفية الوادعة وإيمانه الديني جعلاه ينهي بسرعة مرحلة الشك الديني ويقصر الشك على مسائل السياسة والحكم والحياة الاجتماعية والفكرية ، وانه انطلاقاً من هذا وقف كثيراً عن مسألة تحرير المرأة ؛ إذ لا يفتأ وهو في باريس يذكر مشكلة المرأة المصرية ، ومن ثم فهو أيضاً ـ كما يبدو من يومياته ـ اقتصر تفكيره في بيئته الجديدة (باريس) على بعض مشاكل الحياة العامة ، حيث بدأ يفكر في حال أمته وما ينبغي أن يتوافر لها من سبل الإصلاح الاجتماعي، بحيث كانت أول مقالة ظهرت له في \" صحيفة الجريدة \" سنة 1907م ت أي قبل سفره ـ كانت عن حرية المرأة ، ثم كتب بعد ذلك وهو في باريس أول رواية مصرية ـ زينب ـ أبرز فيها كثيراص من مشاكل الحياة الاجتماعية في مصر سيما المرأة ، وظلت هذه لازمة من أخص لوازمه الأدبية ـ كما يقرر الكاتب ـ فرواياته وأغلب أقاصيصه أبطالها سيدات ، يصور فيها ما يخضعن له من ظروف اجتماعية قاسية ، ويوضح الكاتب أيضاً أن هيكل لم يكن بعيداً فكرياً عما يجري في وطنه من دعوات الإصلاح ؛ فقد شارك كشاب مثقف عن طريق \" الجريدة \" في إرساء بعض الدعوات الإصلاحية لا سيما الدعوة إلى تحرير المرأة ، بل نقل هذه الدعوة أيضاً إلى مجال القصة والرواية، فبدأ \"هكذا خلقت\" من النقطة التي انتهى فيها عند \"زينب\"، إذ عاد ليعالج مشاكل التطور الاجتماعي في مصر وأثره على حياة المرأة. 

 

وزارة صدقي

ويشير الدكتور طه وادي في كتابه إلى بعض احداث سنة 1930م في مصر، والتي ترتبط في جزء منها بحياة محمد حسين هيكل الصحفية؛ حيث يذكر الكاتب أنه في بداية هذه السنة تولت وزارة جديدة برئاسة إسماعيل صدقي لتعديل الدستور وإعطاء سلطات اوسع للملك فؤاد ، وأن صدقي بحكم صداقة تربطه بهيكل حاول أن يسكته حتى لا ينتقد هو وصحيفته (السياسة) وأبدى استعداده لدفع ثمن هذا السكوت، لكن هيكل لم يسكت وعز عليه أن يصادر الدستور الذي اشترك في وضع مبادئه، ومن ثم قام إسماعيل صدقي ـ بعد أن يئس من إسكات صوت هيكل أو تلفيق تهمة له ـ بإصدار قرار يحرم رئاسة التحرير لمن صدر ضده حكم بالإدانة، ومن ثم اصبح إبراهيم المازني رئيساً للتحرير، وهيكل مديراً لتحرير جريدة السياسة . يذكر الكاتب أن إسماعيل صدقي لم يصمد في المعرمة فأصيب بالشلل في منتصف 1933م وخلفه في رئاسة الوزراء عبد الفتاح يحيي، ولكن انتقاد الصحافة لسياسة الحكومة في عهد وزارتى عبد الفتاح وتوفيق نسيم لم يكف بقيادة هيكل الذي كان عضواً في لجنة مؤلفة من الوفد والدستوريين، والتي قدمت بدورها خطابين للملك فؤاد والإدارة البريطانية في 12 ديسمبر 1935م مطالبة بإسقاط الوزارة الحالية وتشكيل وزارة ائتلافية وعودة الدستور وهو ما تم بالفعل تحت تأثير الضغط الصحفي. 

 

نقد الشعر 

ويقدم الكاتب وجهة نظر نقدية تبناها هيكل بخصوص الشعر، موضحاً بداية أن ثقافة هيكل ومزاجه لم تكن تسمحان له بقرض الشعر، ولكنه مع ذلك كان متذوقاً وقارئاً جيداً للشعر العربي والفرنسي والإنجليزي، بحيث كان استشهاده به يدل على حسن تمثل له.

ويقرر الكاتب أن رؤية هيكل النقدية للشعر تتمثل في إيمانه العميق بأن الشعر يهدف إلى إبراز فكرة أو صورة أو عاطفة يفيض بها القلب في صيغة متسقة من اللفظ تخاطب النفس وتصل إلى أعماقها؛ أي أنه كان يرى من منظور رومانسي أن الشعر يجب أن يعبر عن تجربة بشرية تصل إلى أعماق النفس، وهذا الفهم هو الذي جعله يقف من الشعر التقليدي موقفاً فيه شيء من العداوة والنفور بسبب اكتفاء الشعراء بما قرأوا في شعر العرب، وكسلهم العقلي الذي يقف بهم دون تغذية أرواحهم ونفوسهم وعقولهم بما تفيض به الأرواح وتشعر به النفوس وتتجه إليه العقول من الآثار في العصر الحاضر، وكذلك بسبب قيام الشعراء بتحويل الشعر إلى زينة لحفلات التكريم والتأبين مما يتصل بالشعر من وجهة نظر هيكل، ومعنى هذا أن هيكل كان يرفض الشعر القائم على التقليد والمحاكاة كما يرفض شعر المناسبات.

 

لغة المقال 

وفي ختام كتابه يرصد الكاتب الدكتور طه وادي ملامح الكتابة الصحفية لدى محمد حسين هيكل ، فيقرر أن لغة هيكل تتسم بالسلامة والإتقان، وأنه كان يجنح في إنتاجه الصحفي ـ حتى المبكر منه ـ إلى البعد عن الغريب من الألفاظ، والابتعاد عن المحسنات البلاغية والبديعية، ميالاً إلى قدر من السهولة اللغوية ، والعناية بالأفكار والمعاني قبل الألفاظ، ورغم اتساع ثقافته العربية إلا أن السهولة اللغوية أو الميل إليها ظلتا لازمة من لوازم الكتابة الصحفية وغير الصحفية عنده؛ فقد كانت عنايته تتجه أول ما تتجه في كتاباته إلى الأفكار وترتيبها وتنسيقها ووضعها في قالب موضوعي، يضمن حسن العرض وبيان الرأي المراد بطريقة واضحة، ومن ثم فهو يعد من أولئك المفكرين التقدميين، الذين أخذت عنهم أمتهم الكثير، ومن ثم فقد كان جديرا برثاء طه حسين له قائلاً \"الحق على التاريخ الأدبي أن يكتب هيكل بين الذين مهدوا طريق الحرية للأجيال المقبلة وطريق حرية الرأي وحرية التفكير وحرية التعبير أيضاً ، وكل من ظن أو قدر غير ذلك فهو لا يظلم هيكل وإنما يظلم نفسه لا أكثر ولا أقل\".