قراءة في أبعاد الأزمة الخليجية

تاريخ النشر : أخر تحديث : 2017-06-18 03:11:06

قراءة في أبعاد الأزمة الخليجية

تصاعدت الأزمة الخليجية بين قطر من جهة، والأمارات والبحرين والسعودية من جهة أخرى، بعد أن اتهمت الدول الأخيرة قطر بدعمها للجماعات الإسلامية المتطرفة في الشرق الأوسط وأماكن أخرى في العالم، وعلى راسها جماعة "الإخوان المسلمين" و"حركة حماس" –على الرغم من إن قطر والسعودية قد زودت المتطرفين الإسلاميين السُنّة في سوريا بالأموال والسلاح، الأمر الذي فتح الباب لظهور تنظيم (داعش) في العراق وسوريا، كما عملت كل من الدولتين على تعزيز قوة طالبان الأفغانية، وأسهمتا في تحويل ليبيا إلى دولة هشة من خلال مساعدة الميليشيات الإسلامية هناك-، فضلا عن مخالفة قطر لسياسات ورؤية مجلس التعاون الخليجي من خلال إقامتها لعلاقات متميزة مع ايران، وهذا لا يتسق ويتفق مع المنهج الخليجي الذي يرى في ايران عدوا مستحكما لا يمكن التفاهم أو إقامة علاقات صداقه معه –علما إن للإمارات العربية المتحدة علاقات اقتصادية فريدة مع ايران- والذي يحكمه توازن القوى والمنافسة لاسيما مع السعودية، التي ترى أية علاقة لإحدى إمارات الخليج مع ايران إخلالا بذلك التوازن ومكسبا للنفوذ والتأثير لصالح ايران في المنطقة.   أضف إلى أن قطر لم توافق على إدخال "حزب الله" اللبناني ضمن قائمة الجماعات الإرهابية التي صنفتها دول مجلس التعاون الخليجي، مجموع هذه العوامل أدى إلى تفاقم الأزمة والصراع بين الجانبين ليؤدي إلى قطع العلاقات الدبلوماسية وغلق الحدود البرية والبحرية والجوية بوجه قطر لا سيما بعد التصريح الذي نسب إلى الأمير تميم بن حمد آل ثاني بقوله:" لا يوجد سبب وراء عداء العرب لإيران"، مما جعل من هذه الدول على طرفي نقيض.   إن تنامي نفوذ الإمارة الخليجية –قطر- وانعكاسها على ميزان القوى ليس في منطقة الخليج فحسب، بل على مستوى العالم العربي، ادخلها في حالة تنافس مع المملكة العربية السعودية، صحيح إن قطر دولة صغيرة جغرافيا، ولكن ممارساتها الجيوبوليتيكية أصبحت شديدة التأثير في مختلف أنحاء العالم العربي من ليبيا وصولا إلى العراق مرورا بمصر، فهي تدعم المتطرفين الإسلاميين، وتبرز كمركز للحركات الإسلامية المتطرفة من حيث الفكر والتمويل والسلاح إلى جانب السعودية، فضلا عن إنها دولة غنية بالغاز، إذ تُعد اكبر دولة مصدرة للغاز الطبيعي بعد روسيا، إلى جانب إنها الدولة الأكثر ثراءً في العالم باعتبار نصيب الفرد، وصاحبة احدى اضخم صناديق الثروة السيادية، مما يُعطي قطر وفرة مالية تتيح لها هامش كبير من حرية الحركة والمناورة أمام جارتها السعودية تستوعب بها ضغوطها المتزايدة تجاهها.   وما يزيد من عوامل القوة القطرية في المنطقة، استضافتها لأكبر قاعدة أميركية في المنطقة، وهي قاعدة العُديد الجوية، والتي تضم (8000) فرد عسكري أميركي، إضافة إلى (120) طائرة، بما في ذلك طائرات النقل العملاقة للتزود بالوقود في الجو، والتي توجه الولايات المتحدة الأميركية منها ضرباتها الجوية في حربها ضد (داعش) في العراق وسوريا، مما جعل قطر مركزا للعمليات الجوية المشتركة، فضلا عما يمثله معسكر السيلية كمقر للقيادة المركزية الأميركية الأمامية، وهذا يجعل قطر قاعدة جيواستراتيجية حيوية للمصالح الأميركية في المنطقة والعالم. ولكن هذا يجعلنا أمام تناقض واضح، فقطر تشكل حليفا مهما وحيويا للولايات المتحدة الأميركية لاسيما في محاربة التطرف والإرهاب، ولكن في الوقت نفسه فإنها –أي قطر- موردا رئيسيا للفكر والأموال والسلاح للجماعات الإسلامية المتطرفة في العالم، وهذا يحمل في طياته تناقض واضح وكبير للاستراتيجية الأميركية في محاربة التطرف والإرهاب.   ما يمكن أن يؤشر، بان تصاعد الأزمة الخليجية وتفاقمها إلى صراع بين حلفاء الولايات المتحدة الأميركية، ليس من مصلحة الأخيرة في اهم منطقة حيوية للاستراتيجية الأميركية لاسيما الشرق أوسطية، فالولايات المتحدة تدرك إن التخلي عن قطر يعني في احد أبعاده وتداعياته لجوء الأخيرة إلى روسيا الاتحادية كقوة كبرى تبحث عن النفوذ في الشرق الأوسط، ولاسيما في حال تحقيق حلمها بالوصول إلى مياهه الدافئة، كما تدرك-الولايات المتحدة- إن ترك قطر يعني الارتماء بأحضان ايران القوة الإقليمية الطامحة إلى تغيير الوضع الراهن لصالحها، كما تدرك الولايات المتحدة إن قطر بمساعدة روسيا وايران قادرة على تكوين تكتل غازي احتكاري يشكل عامل ضغط ومساومة على النمو الاقتصادي العالمي.   إضافة إلى أن تفاقم الصراع يؤدي إلى تفكك حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة إلى فريقين، احدهما (إخواني) برأس مال قطري، وفائض بشري تركي، والآخر (وهابي) برأس مال سعودي وفائض بشري مصري، وهذا يتناقض ونظرية وحدة الحلف والحلفاء، كما انه لا يتناسب والجيوبوليتيكيا الخليجية التي تريدها أميركا، فالأمن الخليجي هو جزء من الأمن القومي الأميركي منذ مبدأ كارتر عام 1979، فأي تهديد لهذا الأمن يعد تهديدا للأمن القومي الأميركي. بهذه الأسطر نوضح ولا نضخم، بان لقطر أنياب أصبحت من خلالها تتمتع بحيز كبير من المناورة، وقدر اكبر من النفوذ الإقليمي.     باحث وأكاديمي عراقي

المصدر: