الموصل: العروش والنعوش

الموصل: العروش والنعوش

  تمثل الموصل في ذاكرة تشكل الدولة العراقية الحديثة حالة خاصة جدا، فقراءة المدونات والوثائق والسير التاريخية تكشف حجم الاصرار والرغبة من قبل الملك فيصل الأول في ضمّ الموصل الى المملكة العراقية الآخذة في الانتقال من التاريخ الى الجغرافيا آنذاك، ليغدو هذا الاصرار المسبار الذي يكشف عن وعي ورؤية
...
  تمثل الموصل في ذاكرة تشكل الدولة العراقية الحديثة حالة خاصة جدا، فقراءة المدونات والوثائق والسير التاريخية تكشف حجم الاصرار والرغبة من قبل الملك فيصل الأول في ضمّ الموصل الى المملكة العراقية الآخذة في الانتقال من التاريخ الى الجغرافيا آنذاك، ليغدو هذا الاصرار المسبار الذي يكشف عن وعي ورؤية استشرافية في أهمية الموصل في بعث الكيان الدولي الجديد: العراق ،اكتمل العرش بضم الموصل رسمياً الى العراق، لتصبح المدينة صانعة للعروش ولو على نحوٍ تكميلي، مع تشييد نرجسية عراقية شديدة الخصوصية تتجذر في القدرة على المطاولة مع الرجل المريض وعدم التفريط بالموصل.   غير أن المفارقة تكمن أن هذا التجذر النرجسي يُصاب بجرح لا مثيل له بعد ما يربو على قرنٍ من الزمن :سقوط الموصل سقوطاً مدوياً على يد عصابات داعش مع تواطؤ من قبل الماسكين بالعرش يتساوى مع حجم رغبة الملك فيصل الاول في الموصل غير انه يفارقه في الاتجاه، هناك اصرار على الحفاظ عليها، وهنا تسيب ورغبة في التفريط فيها.   وقد وقعت الموصل في الحالتين تحت عنوان التجريب، غير ان التجريب الأكثر أهمية هو الذي ينتظر الموصل بعد تحريرها وليس الذي مرت به ،فقد جربّ الشيعة أبان حكم السيد المالكي وممثليه التعامل مع أهالي الموصل بالشدِّة وأخذ الأتاوات وعدم الوقوف مع المتطلبات الحقيقية لمدينة بحجم الموصل، فكانت النتيجة مزيدا من النعوش التي حملت جثامين الشهداء في سبيل تحريرها من رجس داعش، بعد أن منحها أصحاب العروش المزيفة (القيادات الأمنية على وجه التحديد) لقمة سائغة للوقوع في براثن داعش. وجرّب السنة العرش- الوهم الذي اصطنعه البغدادي، غير أن السخرية تكمن أن هذا العرش بُنِيَ على عذابات الموصليين في مخيمات الخوف والجوع والحرمان، مع تزايد أعداد النعوش التي تحمل ضحاياها، لتكون النتيجة: العرش في تناسب طردي مع النعش في العراق الامريكي، بخلاف العلاقة العكسية التي اجُترحت في العراق البريطاني، ما ينتظر الموصل هو تجريب التسامح ومغادرة ثنائية العرش-النعش، تجريب أحصاء الكوارث التي تسمى تلطيفا أخطاء، لا من أجل تسجيلها كمدونات للتاريخ فقط، بل لجعلها جذر لموقف يستطيع فيه مرشح للبرلمان يأمل في جذب الأصوات بان يروي في جولاته أنه اكتشف ارتكابه في العام الماضي واحداً وثلاثين خطأ، وأنه نجح في أن يصلح منها ثلاثة عشر بالكاد ،بينما أكتشف خصمه سبعة وعشرين منها، على الرغم من أنه صحح منها ثلاثة عشر هو الآخر، ليختم (كارل بوبر) كلامه بان هذا التصرف هو الذي يجعل من مدينة ما مدينة للتسامح، يا ترى، من سيحصي كوراث العرش والنعش في الموصل؟  

أخبار ذات صلة