البعث من عفلق الى البغدادي

تاريخ النشر : أخر تحديث : 2017-08-05 02:15:25

البعث من عفلق الى البغدادي

غالبا ما كان موضوع العلاقة بين تنظيم الدولة الاسلامية والبعث يوضع ضمن النظرة  للبعث كقوة شريرة وتامرية قادرة على ممارسة التاكتيكات التي تضمن بقاءها قوة مؤثرة وخطيرة ولم تخضع ابدا لتحليل فكري موضوعي بعيدا عن القناعات النظرية والايدلوجية الجاهزة وقبل ذلك هناك فقر في الكتابات الموضوعية العلمية الرصينة عن البعث نفسه وهو ماحفزني على كتابة دراسة عن حزب البعث قبل شهور نشرتها في نفس هذا المنبر والتي ساعتمد على بعض استنتاجاتها في هذه المقالة.   ان الحركات السياسية هي كيانات حية تعتمد اساسا على البشر ومن ثم تتعرض للتغييرات بحسب طبيعة العنصر البشري المنضوي تحتها وطبيعة الاحداث والتجارب التي تمر بها فتؤثر على القناعات والمواقف,ومن ثم فان حزب البعث الذي ظهر ليغطي مساحة شاغرة في الحياة السياسية العراقية بعد ان شاخ حزب الاستقلال المعبر الرئيسي عن التوجهات القومية ولم يعد يستطع مجاراة الايقاع السريع للحياة السياسية اضافة الى تطير الكثير من اصحاب التوجهات السياسية القومية والمحافظة  من انتشار الحزب الشيوعي وما يشكله ذلك من خطورة في نظرهم فكان لابد من وجود قوة سياسية مؤهلة تجاري الحزب الشيوعي تنظيميا وفكريا بتبني بعض افكاره الشعبية وهكذا انطلق  حزب البعث في العراق متبنيا الاشتراكية كهدف اسمى له ومتبعا بعض وسائل النضال وادواته التي كان الشيوعيون يستخدمونها, فحزب البعث الذي بدا حزبا قوميا علمانيا كانت خليته الاولى في منطقة شيعية تحول بالتدريج الى حزب سني عبرتفاعلات سياسية على خلفية احدات وتطورات سياسية حيث ظل البعث محافظا على طبيعته حزبا قوميا وعلمانيا لكنه بعد 8 شياط ورغم العدد الكبير من الشيعة في قيادته القطرية كتتويج لانعكاسات الاحداث منذ 14تموز1958 حتى 8 شباط1963بالتحول الى حزب سني تعبيرا عن الثقل السني بين ضباط الجيش (الذين كانوا يتحركون بالاساس بحسب خلفياتهم الاقتصادية والاجتماعية) وتعاظم دور الجيش على حساب الحزب وهو مااصبح حقيقة نهائية بعد انشقاق الحزب الى جناحين  يساري موالي لحزب البعث السوري ويميني اعتبر الجناح الاخر منشقا وانه هو الشرعي لان عفلق كان معه,وكما هو معروف فقد كان هذا الجناح هو الذي وصل للسلطة في 17,30 تموز1968 والذي تميز ليس فقط بما يشبه الاحادية الطائفية ولكن باقتصارمعظم مراكز القوة والقرارعلى مناطق قليلة ومحددة من العراق.   ان تحول حزب البعث تدريجيا الى حزب يمثل السنة تطور طبيعي ينسجم مع كون السلطة ومراكزالقوة فيها مسيطر عليها من قبل السنة منذ تاسيس الدولة العراقية الحديثة وهو امرمجرد ذكره محرج لكاتب مثلي لا يعترف بالفوارق الدينية والطائفية كاساس للحقوق والواجبات, اذ اصطدمت دائما بنوع من الطائفية من قبل العديد من الاصدقاء والمعارف السنة من اصحاب الفكر التقدمي حين يستغربون من الحديث عن وجود تمييز ضد الشيعة في الحكومات السابقة مثلما يحدث مع الاسلاميين الشيعة واحيانا التقدميين الشيعة اذ ينكرون وجود تمييز ضد السنة في ظل حكم الاسلاميين الشيعة وهو امر يؤكد عمق الطائفية وارتباطها ليس فقط برؤى مذهبية مختلفة وانما يرتبط بامور اجتماعية وتاريخية ومصالح قد تكون غير منظورة احيانا.   لقد ارتبطت التاثيرات والتطورات على حزب البعث دائما بالحراك داخل الطائفة السنية فقط ,فقد تراوحت مواقف الاسلاميين السنة عموما بين التعاون مع البعث في مفاصل معينة او تكفيره احيانا او الصراع معه على تمثيل افضل للسنة, ففي لحظات الخطر الوجودي مثل الخطر الشيوعي في فترة ما والخطر الشيعي في فترات لاحقة كان هناك تعاون وفي فترات كان البعث فيهااكثر توازنا في مواقفه بين الشيعة والسنة كان هناك نفور وصل حد التكفير احيانا على خلفية ان البعث متساهل مع الشيعة او لا يمثل مصالح السنة او يفرط في حقوقهم,وهكذا فان البعث تاثر دائما بالعوامل التي تتفاعل في الوسط السني دون ان يحدث له ذات التاثير بالحراك السياسي الشيعي رغم انه في الاغلب الشيعة البعثيين كانوا اكثر عددا في حزب البعث من السنة وهو امر لطالما سمعناه من البعض للتدليل على لا طائفية البعث وعدم وجود تمييز طائفي في حين ان هذا البعض يتناسى ان مراكز القوة والقرار كانت دائما بيد البعثيين ليس السنة فحسب بل من مناطق محددة ثم لاحقا من مدينة واحدة..في الفترات الاخيرة من حكم صدام كان القرار محتكرا من قبل صدام وعائلته وابناء عمومته ثم عشيرته ثم جزء من طائفته واقول جزء لان صدام حاول ان يزج الطائفة السنية بالكامل في السلطة لكن ذلك لم ينجح لاسباب عديدة اهمها وجود اتجاهات سياسية اخرى داخل الطائفة اهمها واكثرها فاعلية الاتجاه الديني الذي كان فاعلا حتى لدى الكثير من الضباط البعثيين الكبار وبعض القيادات المدنية في الحزب التي وازنت بين الانتماء للبعث بصفته السلطة التي يجب الحفاظ عليها وبين الاتجاه الديني معبرا عنه باداء الفروض الدينية بموازاة تادية الواجب الحزبي السلطوي,لكن حين بدا ان السلطة تضعف واكثر حين سقطت السلطة لم يعد هناك من سبب للتمسك بحزب البعث لذلك كان طبيعيا ان يتوجه الضباط البعثيين السنة المتدينين الى تنظيم القاعدة وبعده داعش بديلا عن البعث للدفاع عن عراقهم الخاص الذي اختفى بعد 2003 بل ان ضباطا اخرين من اصحاب الفكر القومي وجدوا انفسهم مع القاعدة ولاحقا داعش لانهما التنظيمين الوحيدين اللذين يمثلان السنة ويشكلان تهديداجديا للوضع الجديد بعد2003 مع وجود  تنظيمات اخرى اسلامية كالحزب الاسلامي الذي يصبح عند تجييش الصراع المذهبي مجرد بوابة لتاهيل الشباب للتنظيمين المتطرفين القاعدة والدولة الاسلامية.   ان اندماج الكثير من السنة البعثيين عموما  والعسكريين خاصة, وتبواهم مراكز قيادية في تنظيم الدولة الاسلامية لم يكن مجرد تكتيك بعثي او مؤامرة يتخفى بها البعث ليلعب دورا جديدا فالبعث لم يتمتع بهذه المقدرة وهو خارج السلطة وهو الذي لم يملكها عندما كان في السلطة اذ اخترقه الاسلاميون المتشددون رغم قوة مخابرات صدام التي واجهت عدوا مختلفا هذه المرة يتمتع بكل الصفات المطلوبة للولاء ومنها كونه من مناطق الولاء المطلق وهو ماجعل خطرهم اكبر وامكانية كشفهم عسيرة واتخاذ اجراءات قاسية ضدهم محذورة وقد ترتد سلبا.   ولو طال العمر بنظام صدام بضعة سنين اخرى لكانت امكانية سقوطه بيد الاسلاميين السنة امرا محتملا جدا سيما وفد كانت السعودية بشكل خاص تمول وتدعم هذا الخيار,وهنا ولتاكيد فكرتنا نذكر ان حزب البعث ممثلا بجناح عزت الدوري حاول القيام بدور في عملية احتلال الموصل التي اسماها الفتح الاكبر وايد داعش علنا على امل ان يلعب دورا يعيده لواجهة الاحداث لكن جهوده فشلت بسبب رفض داعش لحزب البعث اولا ولاي شريك ثانيا.   ان تسمية داعش لنفسها بالدولة الاسلامية في العراق والشام لم يكن مجرد تسمية شكلية بل امر جوهري جادت به قريحة بعثي متحول الى داعشي تعبر عن جغرافية الاهتمام البعثي ...في الختام هناك ملاحظة هامة هي الاجابة عن تساؤل منطقي يفرض نفسه لماذا نخص البعث بهذا التطور من عفلق المسيحي القومي الى البغدادي الاسلامي المتطرف والجواب هو في نقطتين الاولى ذكرناها سابقا وتتعلق بكون البعث تحول منذ بعض الوقت كما بينا الى حزب سني ولذلك انتقلت اليه كل المؤثرات التي حدثت للسنة بحسب مامر من احداث وتجارب اما النقطة الثانية هي في عدم وجود فكر لحزب البعث له ملامحه وحدوده الواضحة فمعظم الكتابات الفكرية لعفلق كانت مجرد انشاء ادبي اكثر منه سياسي وكما ذكرت سابقا هذا الامر جعل الممارسة هي الامر الحاسم في مسيرة البعث.  

المصدر: