فورين بوليسي: إقليم كردستان العراق هل كان مستعداً لقيام دولة؟

تاريخ النشر : 2017-11-08 00:00:00 أخر تحديث : 2017-11-21 10:28:58

فورين بوليسي: إقليم كردستان العراق هل كان مستعداً لقيام دولة؟

نشرت (فورين بوليسي) مقالا مطولا حول ماجرى في اقليم كردستان العراق واستشراف مستقبله في ظل التطورات الراهنة، جاء في مستهله أن "الحرب ضد "داعش" أخفت مواطن ضعف الأكراد السياسية والاقتصادية، لكن خسارة كركوك جعلت من المستحيل تجاهلها".

 

وأشارت كاتبة المقال الباحثة الأميركية دينيس ناتالي، الى أن "الاستفتاء الذي جرى في كردستان العراق في أيلول (سبتمبر) الماضي زاد وضع الأكراد السيئ أصلاً سوءاً، فهو بدلاً من أن يعزز المكانة السياسية والحكم الذاتي للأكراد، بدد النوايا الطيبة الدولية تجاههم، واستعدى بغداد وجيرانها، وعمق المخاطر الاقتصادية والانقسامات المجتمعية في الإقليم. كما أفضى إلى خسارة السيطرة على أراضٍ وموارد مهمة. وقد أعادت القوات الأمنية العراقية بسط سلطتها على كركوك وأصولها النفطية، وعلى "مناطق متنازع عليها" ونقاط العبور الحدودية العراقية بعد انسحاب متفاوض عليه لقوات البشمركة الكردية".

 

ونوهت الى أن "حكومة إقليم كردستان تجد نفسها الان محاصرة سياسياً واقتصادياً. وعلى الرغم من أن هذه الحكومة عرضت "تجميد" نتائج الاستفتاء نتيجة للانهيار السياسي ومن أجل استباق تقدم القوات العراقية إلى داخل الأراضي الخاضعة للسيطرة الكردية، طالبت الحكومة العراقية بإلغاء كامل لنتائج الاستفتاء، مع أن كلا الجانبين منخرطان في مفاوضات. ويهدد الانهيار الناجم عن الاستفتاء بإعادة تنظيم السياسة الداخلية لحكومة إقليم كردستان، حيث أعلن الرئيس مسعود برزاني نيته التنحي من منصبه يوم الأول من تشرين الثاني (نوفمبر)".

 

واستدرك مقال المجلة الأميركية الشهيرة "لكن الاستفتاء كان عامل تحفيز أكثر من كونه مسببا للأزمة الراهنة التي تعيشها حكومة إقليم كردستان. وكانت هذه الحكومة قد روجت سرداً عن أن المنطقة هي ديمقراطية علمانية تنعم باقتصاد مزدهر وتتوافر على قوة عسكرية متماسكة -لكن المنطقة التي لا تطل على أي مياه كانت في واقع الأمر غير مستقرة اقتصادياً، وضعيفة مؤسساتياً ومنقسمة سياسياً منذ وقت طويل".

 

كان الخطأ الأول الذي ارتكبته قيادة حكومة إقليم كردستان هو التركيز بكثافة على تجميع الدعم الدولي لمشروعها الطموح لبناء دولة، بحسب الباحثة الأميركية، بدلاً من محاولة إقناع العراقيين به. وبدلاً من جذب غير الأكراد إلى داخل أراضي "كردستانها" كمواطنين على قدم المساواة، ميزت حكومة إقليم كردستان ضدهم".

 

ونبهت الكاتبة "خلال زيارة قمتُ بها إلى شمال العراق قبل أيام من إجراء استفتاء الاستقلال، قال لي رجل أعمال كيف أنه "حتى في الأعمال التجارية نحن غير متساوين". واشتكى من الضرائب الإضافية التي كان عليه دفعها لنقل السلع في داخل منطقة كردستان. كما كان رد فعل الأشوريين غاضباً على قيام الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم بمصادرة أراضٍ وباستبدال الحزب قادتهم المحليين بمسؤولي الحزب، في عملية يقولون إنها تهدف إلى "محوهم" من سهول نينوى. كما يشعر الكثير من الأيزيديين بالاستياء من تخلي الحزب الديمقراطي الكردستاني عنهم وتسليمهم لتنظيم "داعش" في العام 2014".

 

وبسبب لذلك، كان العراقيون من غير الأكراد معارضين بأغلبية ساحقة لقيام دولة كردية، وخاصة دولة تضم محافظة كركوك الغنية بالنفط، كما تقول دينيس ناتالي، مستشهدة بقول زعيم عربي عشائري بارز قبل أيام من إجراء الاستفتاء "إن خمسة في المائة فقط من العرب في كركوك يقبلون بهيمنة حكومة إقليم كردستان على المنطقة. وقال لي قائد عربي آخر صراحة إنه لن يعتبر نتيجة الاستفتاء مشروعة أبداً. وقال: "لم ينته الأمر.. سوف نستعيد كركوك".

 

وأردفت "حتى لو لم يحرك استفتاء الاستقلال المعارضة المحلية والإقليمية، فإن غياب عوائد كافية لحكومة إقليم كردستان وهيكل قيادة عسكرية موحد كان ليقوض قدرتها على الاحتفاظ بالأراضي التي كسبتها خلال الحرب ضد "داعش" وتأمينها. (فقد توسعت أراضي حكومة إقليم كردستان بواقع 40 في المائة خلال الحملة العسكرية). وكانت التنمية الاقتصادية السريعة التي شهدتها المنطقة من العام 2008 وحتى العام 2012 قد تلقت التمويل في الجزء الأكبر من ثروة العراق النفطية، وليس من اقتصاد كردي مديم لذاته. وكان قرار حكومة إقليم كردستان في العام 2014 الالتفاف على بغداد بمبيعات نفطية "مستقلة"، بالإضافة إلى هبوط أسعار النفط وتكاليف الحملة العسكرية ضد "داعش"، قد فاقمت هشاشتها الاقتصادية. ومع أن حكومة إقليم كردستان خفضت الإنفاق ورفعت الضرائب، فإنها فشلت في التأقلم بفعالية مع مشاكلها المالية والسياسية".

 

وأشارة الماتبة في المجلة الشهيرة الى أنه "وخلال ذلك، عولت الانتصارات العسكرية الكردية بشكل كبير على الدعم الخارجي -تحديداً قوة طيران الائتلاف- وليس على القوة المؤسساتية الخاصة لحكومة إقليم كردستان. وكانت السيطرة على القوات الأمنية التابعة لحكومة إقليم كردستان، بما فيها قوات البشمركة، مقسمة منذ وقت طويل بين الحزبين السياسيين الرئيسيين في المحافظات الثلاث التي تشكل المنطقة".

 

هذه الانقسامات كما كتبت الباحثة ناتالي "باتت واضحة بعد الاستفتاء، عندما فاوض بعض القادة من الحزب الوطني الكردستاني، الحزب الكردي الرئيسي الآخر، على صفقة مع بغداد وقام بسحب قوات البشمركة من كركوك من دون إبلاغ المسؤولين في حكومة إقليم كردستان أو الآخرين في الاتحاد الوطني الكردستاني. كما يفسر ذلك لماذا تتهم الفصائل المختلفة بعضها بعضا الآن بالخيانة و"بيع كركوك".

 

وتابعت أن "الخسارة المشهودة لكركوك، مع حقولها النفطية وأصولها وحقول أصغر في محافظة نينوى، تهدد الان بتعميق المأزق المالي لحكومة إقليم كردستان. وقد خفضت هذا الخسارات إنتاج وصادرات النفط حتى الآن من حوالي 600 الف إلى 280 ألف برميل في اليوم، آخذة معها حوالي 55 في المائة من عوائد تصدير النفط لحكومة إقليم كردستان. كما أنها تتزامن مع تراجع فرص قطاع الطاقة لدى حكومة الإقليم. وقد هبط سعر النفط بقوة، وانسحبت شركات النفط الدولية من 19 مجمع استكشاف في داخل المنطقة منذ العام 2014".

 

وخلصت الى أن "هذا الانهيار المالي أنهى بذلك أي أمل كان لدى الأكراد ببناء اقتصاد حكم ذاتي مديم للذات، ومنفصل عن بغداد. وسوف تجعل هذه الظروف الصعبة من الأوضاع أكثر صعوبة على حكومة إقليم كردستان أن تدفع رواتب موظفيها -التي لم تدفع بالكامل في عامين- ودينها الذي يفوق 20 مليار دولار، وتكاليف تشغيل شركات النفط الدولية والمتاجرين بالنفط. وقد تستمر صفقات الطاقة التي وقعتها حكومة إقليم كردستان مع تركيا وشركة النفط الروسية "روزنفت" -لكن من المرجح أن يأتي هؤلاء المستثمرون الأجانب، خاصة بعد الاستفتاء، على حساب السيطرة الكردية على سوق الطاقة وآليات التسعير. ومن شأن إغلاق بغداد للمجال الجوي الدولي في منطقة كردستان وإلغاء بعض الرحلات الإقليمية والتهديد بإغلاق الحدود من تركيا وإيران -إذا استمرت- أن تضيف إلى المستنقع الاقتصادي وحسب".

 

ولفتت "كما يواجه القادة الأكراد على نحو متزايد ضغوطاً لتنفيذ إصلاحات سياسية أيضاً. ويهيمن الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني معاً على الشؤون السياسية والاقتصادية للمنطقة، وقد حافظا على اتفاق لتقاسم السلطة منذ أول تأسيس لحكومة إقليم كردستان في العام 1992، على الرغم من شكوك حامت حول اندلاع حرب أهلية وتوترات. ومؤخراً فقط دعا مسؤولون رئيسيون من كلا الحزبين إلى تمديد ولاية البرلمان في كردستان ثمانية أشهر، وإلى تأجيل الانتخابات مرة أخرى -مؤكدين أكثر على سيطرتهم السياسية".

 

وأكدت المجلة الاميركية أن "المعارضة المحلية لهذين الحزبين ولحكومة إقليم كردستان كانت واضحة خلال الاستفتاء؛ فبينما صوتت معاقل الحزب الديمقراطي الكردستاني في دهوك وأجزاء من أربيل بـ"نعم" بنسبة تراوحت بين 80 إلى 95 في المائة، شهدت أجزاء من محافظة السليمانية إقبالا منخفضاً إلى نحو 50 في المائة. وقد تعمقت هذه الانقسامات منذ الاستفتاء وانهياره. وحتى مع أن بعض الأكراد يلومون الحكومات الأجنبية على إفشال محاولة الاستقلال، فإن الأغلبية الساحقة يشعرون بأنهم تعرضوا للخداع من قادتهم في الحزبين الكرديين الرئيسيين".

 

كما أن الصراعات على السلطة احتدمت أيضاً في داخل وبين الأحزاب السياسية بما يمتد إلى ما وراء المنافسة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني. وقد أشر العنف الأخير في برلمان كردستان العراق بعد بيان "استقالة" برزاني والتوترات المتواصلة بين المجموعات على ضعف الاستقرار السياسي داخل منطقة كردستان، كما ذكرت الباحثة الأميركية التي استدركت ايضا "لكن من غير المرجح نشوب صراع مسلح مطوّل، على الرغم من احتمال استمرار اندلاع حرب إعلامية وتفجرات للعنف، على نحو متقطع".

 

وأضافت "كانت مجموعات معارضة ومستقلون وحزب إصلاحي جديد بزعامة رئيس الوزراء السابق في حكومة إقليم كردستان العراق، برهم صالح، قد دعوا إلى تشكيل "حكومة انتقالية" لحل الأزمات السياسية والاقتصادية لحكومة إقليم كردستان. ولكن، حتى مع إخلاء السيد برزاني منصبه، ليس هناك سبب لتوقع انهيار بيت برزاني أو بيت طالباني -وهما العائلتان اللتان كانتا خلف تشكيل الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني على التوالي -في أي وقت قريب. وللحزب الديمقراطي الكردستاني جذور مؤسساتية في العراق منذ الأربعينيات، وتذهب شبكات رعاية عائلة برزاني عميقاً. وسوف يحتفظ برزاني بنفوذ في "مجلس القيادة السياسية"، بينما سيظل نجله، مسرور، رئيساً للجهاز الأمني في الحزب الديمقراطي الكردستاني وسيظل ابن أخيه، نجيرفان برزاني، رئيساً للوزراء".

 

ورأت الكاتبة أن "حكومة إقليم كردستان تبدوعرضة لاستخلاص الدرس الخطأ بالضبط من الفوضى التي جلبها الاستفتاء. فبدلاً من الإقرار بسوء حساباتهم الاستراتيجية، نفى برزاني وغيره من القادة الأكراد المسؤولية عن فشل الاستفتاء وانهياره. ومن الممكن التعويل على هذه المجموعة للاستمرار في لعب دور الضحية ولوم "الخونة" على مظاهر عجزهم المؤسساتية، والعزف على وتر التهديدات الخارجية، بما في ذلك من إيران وميليشياتها، بدلاً من تكريس الاهتمام لمشاكلهم الداخلية وإصلاحهم المؤسسي".

 

واعتقدت بالقول "حتى عند ذلك، سوف تظل الملامح الأساسية لمنطقة كردستان بلا تغيير. سوف يظل الإقليم غير مطل على منافد مائية، ومعتمداً على الآخرين اقتصادياً، ومرتبطاً ببغداد وتركيا وايران، ومقسماً سياسياً. وسوف تصبح نقاط الضعف واضحة بازدياد مع اكتساب الحكومة المركزية في العراق نفوذاً ومصداقية في عموم البلد والمنطقة، وبينما تستمر النزعة الوطنية العراقية بالنمو في أوساط الجماهير".

 

وتختم مقالها المطول قائلة "تحت هذه الظروف، لا تملك حكومة إقليم كردستان سوى خيار التفاوض مع الحكومة العراقية ودول الإقليم من أجل الاستدامة، تماماً كما فعلت على مدى عقود، لكن الفارق الآن، بعد إجراء الاستفتاء الكارثي، هو أنها بدلاً من أن تتفاوض من موقف قوة، فقد أصبح على حكومة إقليم كردستان أن تتعامل مع بغداد من موقف الضعف".

 

 

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Iraqi Kurdistan Was Never Ready for Statehood

المصدر: بغداد - جلال عاشور