طبول الحرب.. قبضة بن سلمان وقراءة لما يجري

تاريخ النشر : 2017-11-09 00:00:00 أخر تحديث : 2017-11-15 08:41:27

طبول الحرب.. قبضة بن سلمان وقراءة لما يجري

كعادتها تغلي منطقة الشرق الأوسط على مدار العام، وكلما سارت الاحداث الى لملمة ازمة والتقاط الانفاس حتى دخلت فجأة في ازمة لو تدحرجت ربما تحرق الأخضر واليابس. المنطقة تكاد تكون تكيفت وتعايشت مع سقف مقبول من الازمات والحروب هنا وهناك، لكن ما لا طاقة للمنطقة به ان تنفجر ملفات شائكة ومتداخلة داخليا، إقليميا ودوليا مرة واحدة وتتدرج الكرة بشكل متسارع غير قابل للسيطرة.

 

فهل نحن امام حرب جديدة في الشرق الأوسط بشكل جديد.. ام ماذا؟! لم لا.. فالشرق الأوسط منطقة الدخان حسب التوصيفات السياسية والعسكرية، وخيارات الحرب ليست مستبعدة في أية ازمة، كما اكد ذلك أوباما حينما كان رئيسا للبيت الأبيض، إذ ذكر في احدى مقابلاته الصحفية ان فريق العاملين في واشنطن كلما ناقش ازمة طرح خيار الحرب! ويبدو ان من أوصل ترامب الى البيت الأبيض يريد حربا ما، قد تكون في شرق اسيا وقد تكون في الشرق الأوسط.

 

التطورات المتلاحقة الأخيرة في المنطقة، وخصوصا في السعودية لم توضع حتى الان في سياق تحليلي واضح وناضج وان كل ما يثار من مقاربات للوقائع ليس اكثر من محاولات غير ناضجة بما يكفي، ربما نحن عاجزون عن تقديم تحليل او تفسير وسيناريو مكتمل الابعاد يضع النقاط على الحروف ويجيب على التساؤلات الأساسية حول ما يجري. لكن عدم وضوح الصورة لا يمنع من محاولة تقديم مقاربة لما يدور حولنا.

 

نعم ان جزءا مما يجري في السعودية يأتي في سياق تمهيد الأمور لوصول محمد بن سلمان الى راس هرم السلطة في السعودية، بن سلمان الذي سوق الاعلام الغربي بشكل كبير مشروعه الاقتصادي والعلمي الكبير 2030، وانه الكفيل بطمر هوة التطرف الإسلامي الذي فتك باوروبا، وقد بدأ باصدار جملة من القرارات الجريئة بينها السماح للمراة بقيادة السيارة، توّجها باعتقال كبار شخصيات المملكة يوم 5 تشرين الثاني بعيد ساعات من تشكيل لجنة مكافحة للفساد، لكن التطورات في السعودية لم تقف عند هذا الحد، بل تشعبت لتقرع معها طبول الحرب هنا او هناك. رغم ان بن سلمان يفترض به مبدئيا ان يتفرغ للحرب الداخلية بينه وبين الاجنحة السعودية الأخرى من العائلة الحاكمة، بدل فتحه لازمات أخرى تتطلب جهدا استثنائيا لادارتها.

 

فهل يعاني الأمير الشاب (32 عاما) والحاكم الفعلي للسعودية من احتقان الصراعات؟! له ازمة داخلية، ازمته في اليمن، ازمة مع ايران، ازمة مع قطر وأزمة في لبنان، هل تراكم الازمات يدفعه لاتخاذ قرارات غير مدروسة؟! هل يبحث عن ازمة خارجية من اجل التغطية على ما يدور في الداخل السعودي؟ ام ان الازمات الداخلية والخارجية تسير بوتيرة واحدة، وربما تكون الازمة الداخلية في قناعة بعضهم تمهيد لافتعال ازمة خارجية كبرى.

 

ان تطورات الاحداث تشير الى ان ما يجري في السعودي هو حلقة مهمة في سياق ما يتم الترتيب له من حرب إقليمية، ان إرساء الحكم للامير الصغير يلزمه فتح جبهة مع خصوم اخرين للمملكة وأيضا لإسرائيل وحتى ربما لامريكا. ان ما يجري في السعودية جزء من سيناريو الحرب، التي تقرع طبولها ليل نهار. الصعوبة تكمن في تفسير سيناريو الحرب وفي أي اتجاه تكون وما هي رقعتها المفترضة على الأقل على المستوى النظري.

 

اقرب السيناريوهات وأكثرها قبولا هو سيناريو فتح جبهة جوية كبيرة مع حزب الله واجهتها السعودية وربما الامارات ودول عربية أخرى وحقيقتها مشاركة إسرائيلية أمريكية وربما لاطراف أخرى. الضربة الجوية والضغط السياسي يهدف لاضعاف قدرة حزب الله ولا يمنحه مبررا وفق المعايير الدولية لقصف إسرائيل طالما ليست هي المتسبب علانية بالحرب.

 

في ذات السياق، توجه أيضا ضربة جوية قوية للقدرات الحوثية. وربما يتم ادخال أسلحة أخرى فتاكة مع استبعاد الاجتياح البري. هذا السيناريو وان لم يؤد الى تحقيق الأهداف التي ينشدها القائمون عليه لكنه في نهاية المطاف يعيد للسعودية شيئا من هيبتها من وجهة نظر صاحب القرار السعودي، وأيضا يضعف حزب الله من وجهة نظر خصومه. وربما اجباره على الدخول بمفاوضات جديدة قد تسفر عنها معطيات مختلفة عن السابق. هذا السيناريو يفترض ان تبقى ايران بجغرافيتها بعيدة عن الضربة المباشرة مما يعني عدم الرد المباشر من قبل الإيرانيين على أي من خصومها. لكن يبقى التكتيك الإيراني هو الرد من خلال الجبهات التي تخوض الحرب. واحتمال قصف السعودية او إسرائيل صاروخيا أيضا واردا من وجهة نظر صانع القرار الإيراني على الأقل، سيما وانه لا يحمّل بشكل مباشر ايران المسؤولية، ولا يمكن بناءا عليه استصدار قرارا من مجلس الامن يهدف الى وضع ايران في الزاوية الحرجة طالما كان هناك فيتو روسي. الحرب المحدودة في حسابات بعض صناع القرار في أمريكا وإسرائيل ربما احد اهم أهدافها اجبار ايران على الجلوس مرة أخرى على طاولة المفاوضات مع فرض مزيد من الشروط عليها من اجل استمرار الاتفاقية، لكن ذلك يفترض قبل كل شيء ان تكون تلك الحرب شبه مضمونة النتائج لصالح خصوم ايران وهذا غير مؤكد حتى الان.

 

هذا السناريو المتوقع ولو نظريا وهو الأقرب لتفسير ما يجري لكن التطورات قد تدفع باتجاه سيناريوهات أخرى اذا ما خرجت الأمور عن السيطرة وقرر الجميع الدخول بمغامرات غير محسوبة. ان من يريدون الحرب ومن يجبرون عليها يحرصون كل الحرص على حصرها في مساحة معينة لكي لا تخرج الأمور عن السيطرة وهذه الحسابات تمت تجربتها فيما سبق في أزمات كثيرة، ولم لا تجرب هذه المرة!

 

المصدر: العالم الجديد - جمال الخرسان