باحث: الملف الكردي في العراق يوسع الفجوة بين الإيليزيه والخارجية الفرنسية.. وتصريحات ماكرون بحل المليشيات أوقعته بـ"مأزق العمومية"

تاريخ النشر : 2017-12-04 00:00:00 أخر تحديث : 2017-12-11 11:47:35

باحث: الملف الكردي في العراق يوسع الفجوة بين الإيليزيه والخارجية الفرنسية.. وتصريحات ماكرون بحل المليشيات أوقعته بـمأزق العمومية

رأى الباحث في الانثروبولوجيا السياسية، الدكتور هشام داود، وهو احد المتابعين للسياسة الاوربية عموما والفرنسية خصوصا بشأن العراق، عن وجود فجوة حقيقية في البيت الفرنسي عند النظر لتطورات الشرق الاوسط، ليس فقط في منطقة الخليج، ولبنان، وفلسطين، بل العراق وازمة المركز الاتحادي مع اقليم كردستان ايضا، مشيرا الى أن تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانوئيل ماكرون الاخيرة بشأن حل الجماعات المسلحة في العراق أوقعته فيما بات يعرف بـ"المأزق العراقي للدبلوماسيين الغربيين"، وبدا ضائعا بين الشرعية العراقية، وبين الاحتفاظ بشيء من الحضور الفرنسي في إقليم كردستان، مرددا عبارات عامة ذات بريق اعلامي، لكنها تنم في الواقع عن ضعف معرفي بتعقيدات المنطقة، كقوله المتكرر منذ اشهر «نحن مع وحدة العراق وحق الكرد بالحصول على حقوقهم كاملة وفق الدستور»، وكأن ماكرون ومستشاريه يمسكون بماهية الدستور العراقي وتداخلات المشهد السياسي العراقي.

 

وفيما أكد أن وجود 80 بالمئة من أعضاء الحزب الديمقراطي الكردستاني ضمن وفد إقليم كردستان العراق الى باريس، أضعف من مصداقية الوفد، نبه الى استمرارية التوجس الفرنسي الكلاسيكي من عموم التعبير السياسي الشيعي في منطقة الشرق الاوسط، والذي يرونه في الغالب موجها من قبل ايران، مع ردود فعل فرنسية متحررة نسبيا من هذه الدوغمائية والنمطية التي باتت احدى ماركات السياسة الفرنسية في المنطقة.

 

وقال الدكتور هشام داود الباحث في المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية في حديث لـ"العالم الجديد" إن "دعوة الوفد الكردي جاءت من الرئيس الفرنسي ايمانوئيل ماكرون مباشرة، وهذا معناه ان للايليزيه نشاطا دبلوماسيا موازيا للخارجية (الخلية الدبلوماسية للرئاسة)، ووجود تباينات واضحة بين الخارجية والاليزيه بشأن بعض ازمات المنطقة،  وان الادارة المباشرة للعديد من الملفات الساخنة باتت من صلاحيات الرئاسة دون الرجوع للخارجية».

 

وأضاف داود "لم يكن بين الوفد الفرنسي المفاوض للكرد شخصيات بارزة من الخارجية، فلا الوزير جان-ايف لودريان ولا السفير الفرنسي في العراق ولا مساعدو الوزير المباشرون ممن يثق بهم"، لافتا الى أن "الصورة التي نشرها قصر الاليزيه لا تكشف كامل الوفد الفرنسي، إلا الرئيس ومن يرتبط به، ولا جود حتى اللحظة لصورة اللقاء على موقع الايليزيه".

 

ونوه الى أن "تغريدة الرئيس ماكرون وتصريحاته في المؤتمر الصحفي السريالي (يظهر سأم الرئيس الشاب من غياب ترجمة كردية) جاءت عمومية، إلا من بعض النقاط وهي: حل المادة ١٤٠، ومراعاة وضع الكرد عند اقرار الميزانية القادمة، والاعتراف بحقوق كردستان الكاملة حسب الدستور العراقي، وهذا يعني أن هناك تجاوزا من المركز على الدستور"، منوها الى أن "مطالبة ماكرون بحل الجماعات المسلحة، قاصدا بذلك فصائل الحشد الشعبي، أتت حتى دون معرفته لتصنيف البيشمركة من قبل أطراف نافذة في بغداد كجماعة مسلحة خارج انضباط القانون الاتحادي".

 

وبين الخبير في الشأن السياسي الفرنسي "إذا طبقنا كلام الرئيس ماكرون على ضرورة احترام الدستور وحق السلطة الاتحادية القيام بكل واجباتها السيادية، من ضبط للحدود والمطارات والمنافذ، والاشراف على المؤسسة العسكرية، والمصادر الاقتصادية ذات الطبيعة السيادية، الخ، عندها يمكن اعتبار كلام ماكرون شاملا للبيشمركة ايضا، لكننا نعرف بأن تصريح ماكرون الداعي لحل «الجماعات المسلحة» لا يشمل عمليا البيشمركة، غير أن عموميته قد يوقعه في مطب يصعب معه الافلات مما يراه البعض بالمأزق العراقي للدبلوماسيين الغربيين"، مشيرا الى أن "السيد نوري المالكي لم يفقه هذه الضبابية، ليحصر تصريح الرئيس الفرنسي بحدود المليشيات الشيعية المنضوية تحت تسمية الحشد الشعبي فقط".

 

ورأى الدكتور هشام داود أن "البعد التمايزي لماكرون وللدولة الفرنسية عند النظر للجماعات المسلحة الشيعية هي مقدار قرب او بعد هذه الجماعات من ايران وتواجدها من عدمه خارج الحدود العراقية، رغم ذلك قام ذات ماكرون قبل أيام بنصح رئيس وزراء لبنان «المستقيل» سعد الحريري بالتفاوض مع حزب الله رغم ضغط السعوديين عليه لتصنيفه حزبا ارهابيا لا يقل خطورة عن داعش، وهذا يعني أن باريس رغم دوغمائيتها، الا انها لا تملك سياسة أو نظرة واحدة إزاء كل شيعة الشرق الاوسط، في العراق او لبنان او البحرين او السعودية، بل إن مصالحها الجيو- ستراتيجية لها دور ايضا في تحديد سياستها وليس فقط التصنيف الهوياتي المذهبي التي تبني عليه تحالفاتها الكلاسيكية في المنطقة".

 

وأكمل بالقول انه "بالرغم من استمرارية التوجس الفرنسي الكلاسيكي من عموم التعبير السياسي الشيعي في منطقة الشرق الاوسط، والذي يرونه في الغالب قريبا او موجها من قبل ايران، نلمس احيانا بعض ردود الفعل الفرنسية المتحررة نسبيا من هذه الدوغمائية والنمطية التي باتت احدى ماركات السياسة الفرنسية في المنطقة، كمحاولات الخارجية الفرنسية مثلا التعاطي مع موازين القوى الحقيقية في المنطقة، ورغبة المؤسسة العسكرية الفرنسية التعاون ميدانيا وببراغماتية مع بعض اللاعبيين الاساسيين دون الانصياع اولا لتصنيفهم دينيا ومذهبيا، ايضا رغبة اللاعبين الاقتصاديين الفرنسيين دخول اسواق المنطقة دون احكام مسبقة مبنية على هوية تلك الجماعات المتعددة التي شكّلت موازين الشرق منذ قرون. الا الايليزيه الذي بقي احد اهم القلاع الايديولوجية عند النظر للشرق الاوسط. وايمانوئيل ماكرون لا يشذ عن هذه القاعدة الرئاسية الفرنسية التي رسمها اسلافه، رغم محاولاته الاعلامية الظهور بزي مطفئ الحراق، غير المكترث بدين ومذهب المتحاربين".

 

وبشأن وفد اقليم كردستان العراق، أكد الباحث بالانثروبولوجيا السياسية في المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية أن "وجود ما نسبته ٨٠ بالمئة من الحزب الديمقراطي الكردستاني داخل الوفد، أضعف مصداقية تمثيله، على الرغم من أن تصريحات السيد نيجيرفان بارزاني جاءت هادئة ومتوازنة، تطمح في طي صفحة الصراع المكلف مع بغداد".

 

ونوه الى أن "توقف الرئيس الفرنسي عند المسؤولية التاريخية للطبقة السياسية الشابة الكردستانية، ولم يتحدث عن دور الرعيل الأول، مع أن الجيل الشاب ينتمي لذات البيوت السياسية التقليدية، ولو كانت اربيل على ذات الدرجة من التشنج والحساسية كبغداد لاعتبرت قول ماكرون هذا تدخلا في شؤون كردستان العراق"، لافتا الى أن "غياب السيد مسعود بارزاني عن الرئاسة لم يلغ محاولة إبقاء طيفه مهيمنا على القرار الكردي".

 

وتابع الباحث هشام داود "حتى اللحظة يبدو على ايمانوئيل ماكرون شيء من الضياع بين الشرعية العراقية (بمحرك سياسي مذهبي مهيمن)، وبين الاحتفاظ بشيء من الحضور الفرنسي في إقليم كردستان عبر علاقاته المتميزة بالحزب الديمقراطي الكردستاني، رغم انه اعترف بدور العراق الاساسي في القضاء على عصابات داعش، فهو رغم ضعف فرنسا الواضح، يحاول الابقاء على شيء من الضغط على الحكومة العراقية ذات الاغلبية الشيعية عبر التأكيد (هذه المرة) على استقلالية العراق من اخطار التدخلات الخارجية (ويقصد الايرانية).

 

وأردف "رغم حديثه الايجابي عن رئيس وزراء العراق السيد حيدر العبادي، الا أن ماكرون يبقى (كبقية رؤساء فرنسا) مرتابا من الشيعة. ولفهم هذه الخلطة الفرنسية علينا الرجوع لتصريحاته الاخيرة في ابو ظبي وبعدها في الرياض ومن ثم الغاء زيارته لطهران، الخ. بمعنى آخر، تحاول فرنسا استغلال احتمالات التصعيد الامريكي القادم ضد ايران في العراق، لتكون حاضرة هي الاخرى عبر، ما تسميه حليفها التاريخي الكردستاني"، منبها الى أن "هناك العديد من الملفات النفطية والجيو- ستراتيجية التي يمكن أن تضيف شيئا من المصداقية لرغبة فرنسا بالرجوع للساحة العراقية عموما، وليس الانزواء في الفضاء الكردستاني فقط".

 

وحول الدور الذي يلعبه الكاتب الفرنسي برنارد هنري ليفي بعد فشل الاستفتاء الذي دعمه بكل قوة، أكد الخبير في الانثروبولوجيا السياسية، أن "الكاتب الفرنسي المثير للجدل لم يكن حاضرا في باريس أثناء زيارة السيد نيجيرفان بارزاني، حيث كان في نيويورك، يبث فلمه الاخير عن كردستان، وكما كتب الصحفي سامان نوح : "بدلا من ان يساعد برنار هنري ليفي الكورد برفع علمهم في الامم المتحدة، نراه قد حولهم الى فلم في ذات المحفل الدولي !». على كل حال، فان علاقة نيجيرفان بارزاني ببرنارد هنري ليفي ليست محكومة بالثقة والقيم المشتركة، كما لم يعرب برنارد هنري ليفي عن أدنى تودد للاتحاد الوطني الكردستاني الذي احتل زعيمه الراحل (مام جلال) حتى وفاته منصب نائب رئيس الاممية الاشتراكية

المصدر: بغداد _ جلال عاشور