«البهائيون» في العراق: نصف قرن من التغييب.. فهل من أمل؟

تاريخ النشر 2018-01-06 23:11:23 أخر تحديث 2018-10-17 15:40:50 «البهائيون» في العراق: نصف قرن من التغييب.. فهل من أمل؟

في بلد ما زال يعاني من أزمة هوية مستعصية، يعرب سلام محمد (54 عاما) عن شعوره بالمفاجأة حين علم بالديانة الحقيقية لجاره البهائي «ن. ح»، بعد أكثر من ثلاثة عقود من سكن متجاور. إذ يقول "في صبيحة يوم من أيام تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، أخبرني جاري بأنه سوف يذهب للاحتفال بالذكرى المئوية لمولد "بهاء الله" مؤسس الديانة البهائية، كونه بهائيا وليس بمسلم كما كنت أظن".

 

ويضيف محمد في حديث لـ"العالم الجديد"، "لقد ذهلت بالأمر، لأني لم أكن أعلم أن أحد أتباع هذه الديانة الغامضة بالنسبة لي هو جاري، وأنه سيشارك باحتفال علني هو الأول من نوعه منذ نحو نصف قرن".

 

واحتفل البهائيون للمرّة الأولى بشكل علنيّ في بغداد في 30 تشرين الثاني نوفمبر الماضي (2017)، بالذكرى المئويّة الثانية لمولد مؤسّس ديانتهم بهاء الله، في مناسبة حضرها ممثّلون عن البرلمان العراقيّ والمفوّضيّة العليا لحقوق الإنسان، وممثّلو بعثة الأمم المتّحدة في العراق "يونامي" وممثّلون عن المجتمع المدنيّ وناشطون إعلاميّون؛ إذ تعدّ المناسبة الأبرز التي يعلن فيها البهائيّون عن حضورهم الرسميّ منذ 47 عاما. ليجدوا بذلك أنفسهم أمام وضع جديد، فيه من الوعد والأمل ما يغري بالاعلان عن هويتهم، والمطالبة بالاعتراف بهم بعد عقود من التغييب المنهجي والقسري.

 

شمس الحرية تنتصر

سيفي سيفي، باحث ومؤلف، يقول في حديث لـ"العالم الجديد"، "نحن بهائيون.. ولسنا مسلمين كما نرغم على قول ذلك". ويتابع "هي ليست مسألة تخبط في الادعاء؛ بل ان بروز صوتنا في السنوات الأخيرة؛ دليل على وضوحنا، ولكن صمتنا في الفترة الماضية، كان نتيجة عدّة أحكام قام بها حزب البعث الجائر ضدنا، إذ أنه قضى علينا بالإعدام إن قمنا بممارسة طقوسنا أو تكلمنا بأفكارنا أو حتى لو قمنا بحيازة كتبنا، لذلك، وطاعة لأمر الحكومة، وهذا مبدأ بهائي، قمنا بالامتثال للأمر الصادر".

 

سيفي وبجرعة كبيرة من المرارة يضيف، "أدى صمتنا الى خسارة الكثير، إن لم يكن كل شيء، فقد أسفر هذا الصمت الإجباري الى ظهور أجيال في العراق لم تسمع بالبهائية إطلاقاً؛ لذلك ظن البعض أن سكوتنا هو نوع من التخلي عن معتقدنا".

 

ويشير الى، ان "معنى كلمة مسلم، حسب مفهوم القران الكريم، هو الشخص المتوجه بقلبه وعقله وروحه ودينه الى الله تعالى، وهذا هو ذات معتقدنا"، مستدركا "ومع ذلك تسبب هذا المفهوم بمشاكل للأجيال التالية منا.. خاصةً أننا ممنوعون من تعليم ديننا لأطفالنا، مما تسبب بشيء من الضعف في المفاهيم".

 

ورغم ذلك ما زال سيفي، متفائلا بالمستقبل؛ إذ يقول "رغم كل ما جرى لنا ورغم المآسي، فنحن متأكدون من أن الغد سيكون أفضل، ولا بد أن يستجيب لنا القدر، ويوماً ما ستشرق شمس الحرية، فدوام الحال من المحال".

 

"مدينة الله".. و"مُظهِر أمر الله" ليس "نبيا"!

 

في إطلالة سريعة لتاريخ البهائية في العراق، تقول أستاذة التاريخ في جامعة بغداد الدكتورة ابتسام حمود، في حديث لـ"العالم الجديد"، إن "البهائية هي ديانة حديثة تأسست عام 1844م، وبغداد تعد إحدى المنطلقات الرئيسية لها، ففيها قضى مؤسسها "بهاء الله" 10 سنوات، وأسماها «مدينة الله»، وتعرف بهذا الاسم لدى البهائيبن حتى اليوم، ومنها أعلن دعوته عام 1863م أثناء بداية الصيف في حديقة الرضوان على ضفاف نهر دجلة في جانب الرصافة «مستشفى مدينة الطب حاليا»، وقتها نصب "حضرة بهاء الله" خيمته هناك لمدة 12 يوما".

 

Image

الصورة: أحد محافل البهائيين المهجورة في بغداد

 

وتلفت حمود الى أن "البهائيّين تمكّنوا من الإعلان عن هويّتهم بشكل رسمي في العهد الملكي، فتأسّست الجامعة البهائيّة العراقيّة في العام 1931، كما تأسّس أوّل محفل مركزي لهم في عام 1936 في محلة السعدون، كذلك شيّدوا لأنفسهم مقبرة في منطقة بغداد الجديدة في العام 1952 عرفت بـ(الروضة الأبديّة)، وقد قامت الحكومة العراقيّة بتسجيل ديانتهم البهائيّة في التعداد السكاني لسنة 1957".

 

وتضيف حمود، "كما أن للبهائيين في العراق عدة محافل تسمى «حضيرة القدس»، (تم هدمها ومصادرتها) والتي كان منها «محفل الحيدر خانة في شارع الرشيد، ومحفل شارع السعدون، فضلاً عن محفل قرية العواشق في ديالى"، مشيرةً الى أن "أحد ابرز الشواهد في بغداد هو بيت "بهاء الله" في منطقة الشواكة، ولكن للأسف تم هدمه سنة 2013 وتحويله الى حسينية عرفت بـ«حسينية الشيخ بشار»، وذلك على الرغم من وجود قرار حكومي يقضي بإعتباره مبنى أثريا".

 

حمود تبين في حديثها، أن "البهائيين لا يطلقون على حضرة بهاء الله صفة (نبي)، لأن تلك الصفة بدأت عند الدين اليهودي وانتهت بسيدنا محمد (ص)"، وتزيد، إن "زمن الأنبياء عند «البهائيين» قد انتهى مع زمن شريعة الاسلام، لذلك جاءت صفات إلهية جديدة تطلق على حملة شرائع الله من بعد الدين الاسلامي، وهي صفة (مُظهر أمر الله)، ولذلك فحضرة "بهاء الله"، هو "مُظهر أمر الله" وليس نبياً، لأن مقام النبي «حسب مبادئهم وكتبهم»، يقتصر على ترويج شرائع الرسل فقط، وحضرة "بهاء الله" يعدّونه صاحب شريعة إلهية مستقلة".

 

بهائي أم مسلم؟

 

يقول الباحث الاجتماعي، عبد الكريم جعفر الكشفي، إن البهائيين مسالمون يؤمنون بالعيش المشترك مع الاخر، ولكن الحكومة العراقية قست عليهم وهمّشتهم وسعت لتغييبهم، وعندما فشلت مساعيها، انتشلتهم من خانة الديانة الخاصة بهم؛ لتضع كلمة (مسلم) بدلاً عن (بهائي) في دفاتر نفوسهم".

 

ويضيف الكشفي في حديثه لـ"العالم الجديد"، "لقد جرّمت الدولة العراقية نشاطهم وحظرته بحسب القرار رقم (105) لسنة 1970، فضلاً عن القرار المرقم 358 في 24/7/1975 القاضي بتجميد نشاطهم وتجميد سجلات قيودهم (وتفصيله فيما ذكر أعلاه)، ما ترتبت بسببه آثار مادية كبيرة اضرت بهم".

 

ويوضح، أن "قرارت التعسف ضد البهائيين لم تتوقف عند ذلك الحد، بل تجاوزتها الى إصدار قانون آخر عام 1979 عرف بقانون النشاط البهائي، حيث رفع هذا القانون العقوبة عن البهائيين من المؤبد الى الاعدام"، لافتاً الى أن ذلك القانون "هو آخر السهام الموجّهة لصدورهم، فكان بمثابة الضربة القاضية بحقهم، ما دفعهم الى التواري عن الانظار، وانتقال قسم كبير منهم الى الإسلام، ولكن صبغة بهائي، بقيت على من انتقل منهم".

 

بعد الاختفاء.. تعريف علني!

الى ذلك، يبين ليث سهر، وهو مدرس للغة الإنكليزية، ومن الأشخاص الذين عايشوا البهائيين وعاشروهم، قائلا إن "تعاملهم مع الآخرين بسلام تام، وهم حسب تجربتي إجتماعيون الى حد ما، كما ينظرون لباقي الأديان بإيجابية تامة، فهم يؤمنون بأن الأديان تتحد في باطنها وجوهرها".

 

ويضيف سهر لـ"العالم الجديد"، أن "شبابهم بدأ الآن التعريف بنفسه علناً عبر الفيسبوك ووسائل التواصل الإجتماعي الأخرى، مفسّرا ذلك الى أنه "نوع من الطمأنينة الإجتماعية نتيجة وقوف الكثير معهم إبان قضية منزل «بهاء الله» رمز ديانتهم في بغداد".

 

يجدر بالذكر، أن منزل "بهاء الله" مؤسس الديانة البهائية، الذي يقع في منطقة الشواكة، تم هدمه وتحويله الى "حسينية الشيخ بشار"، دون أي منع يذكر من قبل الحكومة.

 

20 يوماً لا غير

من جهته، يقول القانوني محمد جمعة، ان "مسؤولية التقصير مشتركة، فهي تقع على عاتق البهائيين أنفسهم؛ كما البرلمان أيصاً"، مستغربا من "اهتمام مجلس النواب بإلغاء بعض قوانين مجلس قيادة الثورة التي لا تشكل أية أهمية تذكر، ويبتعد عن إلغاء الكثير من القرارات والقوانين المهمة التي تضر بالبلد".

 

وبين جمعة لـ"العالم الجديد"، بالقول "من أجل إلغاء القانون يتوجب على الجهة المتضررة (وهم البهائيون) رفع دعوى قضائية امام المحكمة الاتحادية العليا للمطالبة بإلغاء القانون الذي يجرمهم، كونهم ديانة وأقلية كبقية الأقليات المتواجدة في العراق، كما أن هناك ثلاث لجان في البرلمان تختص بحل هذه المشكلة، وهي لجان الشؤون والأوقاف الدينية (كونهم ديانة عراقية)، واللجنة القانونية (لتعارض القانون مع مقررات الدستور)، ولجنة حقوق الإنسان، (كونه يمس حق الإنسان في اختيار دينه ومعتقده)"، موضحاً أن "مسألة الغاء القانون لا تتطلب جهداً طويلاً، بل ما على اللجان النيابية المختصة سوى تقديم مقترح إلغاء القانون، ثم قراءته قراءة أولى فثانية ليلغى وينتهي كل شيء، وتلك العملية كلها لا تستغرق أكثر من 20 يوماً على أبعد تقدير".

 

Image

الصورة: جانب من الحضور في اول احتفال علني للبهائيين بالبصرة 30 تشرين الثاني 2017

 

ويعاني البهائيون من عدم الاعتراف الرسمي بهم كإحدى الأقليات الدينيّة في البلاد، فعلى الرغم من ضمان الدستور العراقي الدائم لعام 2005 لحرية الدين والمعتقد، ولا توجد إحصائيات رسميّة عن أعدادهم في العراق، بسبب التشتّت الذي يعيشونه جرّاء الخوف الشديد من البطش بهم من قبل مجهولين، الا أن النسبة التقديرية لهم هي بحدود الـ10 آلاف شخص يتوزعون على محتلف المحافظات وخصوصا في بغداد والبصرة والسليمانية.


ويحظى البهائيون في اغلب دول العالم بممثلين رسميين، ولديهم ممثل مستقل في الأمم المتحدة، باستثناء ايران والدول العربية كافة.

 

المصدر: بغداد - علي الكرملي