من هو عالم المياه الفرنسي الذي ألهمته (الثرثار) وأوصى ببث أنشودة (بغداد) عند حمل نعشه؟

من هو عالم المياه الفرنسي الذي ألهمته (الثرثار) وأوصى ببث أنشودة (بغداد) عند حمل نعشه؟

باريس - فراس مصطفى

احتضنت نعشه إحدى قاعات باريس الكبيرة, فيما كانت أنظار محبيه من "العراقيين" ترنو نحوه بحزن وحسرة كبيرتين, بين متفاجئ وآخر غير مصدق، كاتمين عبراتهم المتكسرة في صدورهم، لئلّا تتحول إلى بكاء ودموع, حفاظا على وصية صاحب المناسبة بعدم الحزن والبكاء عليه حال توديعه لمثواه الأخير، والاكتفاء بو
...

احتضنت نعشه إحدى قاعات باريس الكبيرة, فيما كانت أنظار محبيه من "العراقيين" ترنو نحوه بحزن وحسرة كبيرتين, بين متفاجئ وآخر غير مصدق، كاتمين عبراتهم المتكسرة في صدورهم، لئلّا تتحول إلى بكاء ودموع, حفاظا على وصية صاحب المناسبة بعدم الحزن والبكاء عليه حال توديعه لمثواه الأخير، والاكتفاء بوضع وردة حمراء على نعشه، وبث أناشيد أممية وأخرى للمقاومة الفرنسية ضد النازية، وأغان لـ"جان فيرا" (أحد أشهر مغني القضايا الإنسانية في فرنسا بالنصف الثاني من القرن العشرين) وأغنية عن "بغداد".

 

لم يكن ذلك غريبا على عالم المياه الفرنسي الشهير "باتريك ريبو" الذي ووري جثمانه أمس الأول الخميس، في باريس، فهو ينحدر من عائلة قدمت أحد أبنائها قربانا لحرية فرنسا برصاص النازيين دفاعا عن باريس لدى احتلالها في الحرب العالمية الثانية, فقد كان مناضلا وإنسانا يحمل قلبا يتسع لمعاناة كل العالم قبل أن يكون عالما متخصصا في المياه، ومفكرا وكاتبا ومؤلفا لبعض قصص الأطفال, لكن المثير في وصيته كان هو بث أغنية (بغداد يا قلعة الأسود) بصوت أم كلثوم، وحث زوجته على تسليم جثمانه لـ"أهله العراقيين" كما كان يطلق عليهم.

 

تُرى ما الذي كان يربط باتريك ريبو الفرنسي الأصل والمنشأ ببغداد والعراق عموما؟ ذلك البلد الذي يبعد آلاف الكيلومترات عن فرنسا, فلم يكن عالم آثار أو مؤرخا لحضارة وادي الرافدين, بل كان جغرافيا وعالما من بين أشهر خمسة علماء تخصصوا بالمياه في أوروبا, لكنه عشق العراق وشغف ببغداد منذ أن كان صبيا، وقرأ عن هذا البلد البعيد، وأعجب به أيما إعجاب، فقرر أن ينطلق بسفرة نحو بلد يقبع على حافة الصحراء، في وقت كان شبان فرنسا من جيله يبحثون عن أشهر البلاجات والمدن الجميلة كروما ومدريد وفينا وغيرها، ليقضوا عطلهم فيها, فقد قرر أن يقوم بتجربة مميزة وذات طعم خاص, فلم يركب طائرة أو سيارة أو دراجة نارية ليصل إلى بغداد، بل قرر السفر بدراجة هوائية!

 

في بداية ستينات القرن العشرين كان باتريك ريبو قد تجاوز الثامنة عشرة من عمره بقليل وأصبح مستقلا في اتخاذ قراره بنفسه, فقرر أن يغادر باريس على دراجته متجها نحو بغداد، حيث يتوجب عليه قطع أكثر من خمسة آلاف كيلومتر.. من يسمع عن تلك الرحلة يتصور أن صاحبها مجنون؟ أو أنها إحدى قصص جول فيرن الخيالية! لكنه فعلها وحقق غايته, فقد دامت رحلته تلك ستة أشهر مرّ خلالها بعدة دول أوروبية ثم عبر تركيا وسوريا ليدخل العراق من جهة الموصل، مصطحبا معه كاميرا فوتوغرافية ليلتقط مئات الصور النادرة التي توثق الحياة في العراق خلال تلك الفترة.

 

Image

 

نزل بعدها مع نهر دجلة متجها نحو بغداد، ثم الى الجنوب حيث الاهوار التي أحبها ومن ثم الأرياف والقرى والقصبات الجنوبية متجولا فيها لأشهر، أقام عند أهلها الذين كانوا يرحبون به أينما حل، ثم عاد مع نهر الفرات شمالا ليصل إلى منخفض أو بحيرة الثرثار التي استوقفته وألهمته فكرة إكمال دراسته العليا وبحثه للدكتوراه عن تلك المنطقة المائية الستراتيجية، والتي تشكل خزين العراق المائي الذي يحميه من الفيضانات عند وفرة الماء ومن العطش عند شحه.

 

تعمق حبه للعراق حين رأى كرم أهله وحفاوتهم، وحين روى ظمأه من رافدي هذا البلد العظيم أكمل الدكتوراه في العام 1966 عن (الثرثار)، وأثرها المهم في توفير الأمن المائي لمدينة بغداد وما جاورها, ولم يتوقف عند هذا الحد من البحث والدراسة، بل وضع خرائط نادرة ووثق معلومات ومخطوطات، فضلا عن كتب ومعلومات حصل عليها خلال سنوات بحثه الطويلة في المكتبات الفرنسية والأرشيفات العراقية والعالمية، حيث أوصى زوجته بتسليمها لأحد أصدقائه العراقيين في باريس لثقته العالية به، لأجل حفظها والاستفادة منها، كونها كنزا لا يعوض.

 

وفي العام 1968 أقنع باتريك شركة رينو للسيارت برعاية ودعم رحلة بحثية يرأسها بنفسه تضم فريقا من الباحثين وطلبة الدكتوراه لزيارة العراق, فمنحته شركة رينو ثلاث سيارات جديدة (كتب عليها بالفرنسية: فرنسا.. العراق)ليقوم بالرحلة, وفعلا بدأ رحلته من باريس في بداية صيف ذلك العام، ووصل الى بغداد ليحل ضيفا على جامعة بغداد، ويسكن مع فريقه في دار الطلبة الواقع في الباب المعظم, لكن تلك الرحلة لم تستمر طويلا, فقد أجبرته أحداث تموز عام 1968 لمغادرة العراق بعد أن أصبح الوضع خطيرا حينها.

 

لم ينس "باتريك" بغداد وأهلها بالرغم من سنوات البعد الطويلة، بل ظلت شغله الشاغل، ومحط اهتمامه العلمي والبحثي, فقام بعدة بحوث كان من بينها بحث معمق ومهم جدا أسماه (بغداد عطشى), تنبأ فيه وبوقت مبكر عن مستقبل المياه في العراق، وأثر شحة المياه على بغداد والوسائل الناجعة لتجاوز الكارثة, وقد سبق غيره من علماء المياه والباحثين في هذا المجال ونشره في عدة مجلات ثم قدمه للجمهور في ندوة قيمة في العام 2012.

 

Image

 

وبعيدا عن المياه, قدم في العام 2015 بحثا قيما حول مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 وتأثيره على حرية المرأة العراقية، وكيف انتهك هذا التعديل حقوقها وسلب طفولة القاصرة بتشريع تزويجها بعمر الطفولة, ونشر بحثه في مجلة الفكر الفرنسية الشهيرة.

 

ظل باتريك وفيا للعراق والعراقيين ووقف معهم مواقف مشرفة طيلة العقود الخمسة المنصرمة وحتى وفاته قبل أيام، داعما كل العراقيين بكل ما يستطيع فعله, ماديا ومعنويا, ودعم نضال المعارضة العراقية في فرنسا ضد حكم الدكتاتور، وقدم كل الدعم للعراقيين المقيمين في باريس وفي المدن الأخرى، ولم يفوّت مناسبة أو مهرجانا أو تجمعا أو تظاهرة عراقية، إلا وكان في الصف الأول متصدرا الجموع, لقد كان العراق حديثه واهتمامه طيلة حياته, لذلك أوصى زوجته قبل وفاته بأن يكون موته "بين أهله العراقيين".

 

رحل باتريك وعينه على بغداد, فقد كان عطرا فرنسيا برائحة بغداد، وكان أبنوسا فرنسية تمتد جذورها إلى عمق تاريخ العراق، وكانت مياه دجلة والفرات تجريان في عروقه.. ودع باتريك أهله "العراقيين" كما كان يحلو له أن يسميهم، الا أن موته لن يبعده عنهم أو عن العراق الذي عشقه.

 

Image

 

د. فراس مصطفى.. أكاديمي ودبلوماسي عراقي سابق يقيم في باريس 

أخبار ذات صلة