هل ينجح مشروع "المهندس" لحكم العراق؟

هل ينجح مشروع "المهندس" لحكم العراق؟

بغداد - جلال عاشور

يبدو أن ايران الباحثة عن تعزيز نفوذها في العراق من خلال حلفائها الأشداء، باتت تخطط منذ فترة ليست بالقصيرة لإعادة المنصب الأغلى في جسد الدولة العراقية الى جادته المعهودة.   فقد شخصت مبكرا أن سُفن حيدر العبادي لم تبحر باتجاه رياحها، لاسيما بعد تحفظه على التحالف مع القائمة التي أنشأتها ودعمتها (
...

يبدو أن ايران الباحثة عن تعزيز نفوذها في العراق من خلال حلفائها الأشداء، باتت تخطط منذ فترة ليست بالقصيرة لإعادة المنصب الأغلى في جسد الدولة العراقية الى جادته المعهودة.

 

فقد شخصت مبكرا أن سُفن حيدر العبادي لم تبحر باتجاه رياحها، لاسيما بعد تحفظه على التحالف مع القائمة التي أنشأتها ودعمتها (قائمة الفتح)، حين وضع شروطا تعجيزية أزعجت الحلفاء الجدد وتسببت بعسر المفاوضات في ساعاتها الأولى، ومن ثم إفشال الصفقة التي قادها الجنرال الايراني المثير للجدل قاسم سليماني، ما جعل طهران تفكر ببديل مناسب في المرحلة المقبلة، ربما يكون من خارج حزب الدعوة هذه المرة، خصوصا بعد تأكدها من عدم قدرة حليفها نوري المالكي على العودة للواجهة كرئيس وزراء، بالاضافة الى عدم وثوقها بالشخصيات الأخرى التي قد تمنحها وعودا شكلية، لكنها غير مضمونة الولاء كما حدث مع العبادي.

 

فكرة إنشاء تحالف يضم حلفاءها الأقوياء، تحت مسمى تحالف "الفتح" كان نقطة البداية، بهدف لملمة شتات القوى الصغيرة الداخلة تحت عباءة منظمة بدر، والمدعومة بعنوان الحشد الشعبي الذي يحظى بامتداد شعبي لا بأس به بين صفوف الناخبين في المحافظات الجنوبية، كي يتحول الى العمود الفقري للتحالف الشيعي المنتظر بُعيد الانتخابات، والذي سيقع على عاتقه تشكيل الحكومة المقبلة، إذ تشير المعلومات التي حصلت عليها "العالم الجديد" من مصدر سياسي مطلع، الى أن قاسم سليماني يدعم مشروعا تقدم به مهندس المعارك الميدانية للحشد الشعبي، الزاحف بقوة نحو هندسة التحالفات السياسية (أبو مهدي المهندس)، ويقوم على أساس دعم (عادل عبد المهدي) لتسنم منصب رئيس الوزراء كمرشح تسوية مدعوم من قائمة الفتح التي يرأسها هادي العامري، انطلاقا من أهليته، وخبرته الطويلة في العمل السياسي، ولما يحظى به من قبول داخلي (كردي خصوصا) وخارجي، خصوصا من الولايات المتحدة، مقابل أن يفسح رئيس الوزراء الجديد فرصا غير مسبوقة لنفوذ فريق المهندس في داخل مفاصل الحكومة".

 

التنسيق بين الرجلين لم يكن محض صدفة، فقد سبقته مواقف صلبة، إذ رد عبد المهدي في تشرين الاول اكتوبر الماضي، على الاتهامات التي أدلت بها واشنطن ضد المهندس، واصفا وزارة الخارجية الامريكية بالمتناقضة والفاقدة للأسس الموضوعية، مدافعا عنه بالقول إنه دافع عن العراق والمنطقة والعالم بقتاله الارهاب.

 

هذا الأمر سيحقق نتيجتين مهمتين لجبهة المهندس التي بدأ نفوذها بالاتساع، وهما حسب المصدر "أولا: إنهاء هيمنة حزب الدعوة على رئاسة الوزراء ما سيفتح الباب على مصراعيه مستقبلا لرؤساء من صناعته، وثانيا: تضعيف التيار الصدري، الذي يشكل ندّا شعبيا وسياسيا قويا في الشارع الشيعي"، غير أن ما لم يحسب المهندس حسابه، هو اصطدام هذا المشروع بعقبة لم يتوقعها، وهي "إصرار رئيس قائمة الفتح ومنظمة بدر هادي العامري على ترشحه لمنصب رئيس الوزراء القادم، ورفضه القاطع لخيار المهندس، خصوصا وأنه يرى في نفسه زعيما بلا منازع لواحدة من أكبر القوائم الانتخابية المتنافسة، وأن ليس من شأن أحد غيره شغل المنصب الأكبر، خصوصا بعد إشارات تلقاها من واشنطن من عدم وجود فيتو ضده لشغل المنصب، الأمر الذي رفضه المهندس، لعدم قناعته بأن العامري سيتمكن من حصد القبول الداخلي المطلوب، فضلا عن الموقف الضبابي للولايات المتحدة، وأن إصراره سيعقّد المشهد السياسي، ما سيفسد خطط الظفر بفرصة النفوذ غير المسبوق في رئاسة الحكومة العراقية، الأمر الذي تسبب بخلافات وتضاربات سياسية وميدانية كبيرة بين أكبر قياديين في الحشد الشعبي.

 

سليماني الذي أخفق في زيارته الأخيرة بالتقريب بين مشروعي أبو مهدي المهندس وهادي العامري، فضل الحياد في هذا الخلاف العميق، ولم يظهر معارضته لطموحات العامري أو التقليل من اندفاعه، كي لا يخسر حليفا بحجمه، مستعد (هذه المرة) لحرق كل المراكب التي أوصلته الى هذه النقطة، من أجل مواصلة الطريق نحو الهدف الأغلى، مرجحا انتظار ما ستسفر عنه الانتخابات لبيان حجم كل ائتلاف سياسي، وحينها سيكون له حديث وموقف آخر.

 

الادارة الامريكية التي لا تخفي انزعاجها من تدخل إيران المباشر في الشأن العراقي، لاحظت في الصراع شبه العلني بين أقطاب الفصائل المقربة منها على رئاسة الوزراء تدخلا خطيرا للهيمنة على السلطة في العراق، حسب مصدر سياسي رفيع.

 

واشنطن التي تسعى لتحجيم الدور الايراني في العراق، تم تسريب قبولها بشخصيات بديلة عن العبادي، بعضها مقرب من ايران، وذلك في حال عدم نجاحه بحصد الأغلبية، لكنها فيما يبدو لن تملك أكثر من التفاهم مع طهران على مرشح يحظى بقبول الطرفين، ولا ينحاز لأحدهما على حساب الاخر كثيرا، في تجديد لولاية العبادي أو إعادة لسيناريو وصوله الى السلطة مع شخصية بديلة، غير أن الأمر لن يمر سهلا على الطرفين بعد أن اقتحمت السعودية بقوة معترك الوضع السياسي، وقررت دعم أطراف مختلفة، ناهيك عن موقف مرجعية النجف الداخل بقوة على خط صناعة الحكومة، بعد أن فرضت نفسها طرفا ثالثا وداخليا لأول مرة في اختيار رئيس حكومة العراق، لاسيما بعد أن اضطلعت بدور محوري في الاطاحة بسلطة نوري المالكي القوي، ومنحها حيدر العبادي ضوءا أخضر للإبحار بسفنه في محيط من الأمواج العاتية نجح الى حد ما باجتيازها.

أخبار ذات صلة