تقرير: رشى لشركات نفطية بالبصرة أشاعت القتل وتسببت باستفحال العشائر

تاريخ النشر 2018-04-15 16:19:24 أخر تحديث 2018-12-17 14:43:01 تقرير: رشى لشركات نفطية بالبصرة أشاعت القتل وتسببت باستفحال العشائر

"العالم الجديد" تترجم بالنص تقريرا للصحفية العراقية سؤدد الصالحي نشر في صحيفة “ARAB NEWS”:

 

شاحنةٌ مسرعة تجوب شوارع البصرة جنوب العراق، بحثاً عن مقاول نفط لقتله، حاصره المسلحون، لم يكن أمام كاظم وطبان الذي كان واقفاً أمام باب منزله وهو أب لثلاثة اطفال أي فرصة للهرب. تم إطلاق وابل من الرصاص عليه وسقط قتيلاً مضرجاً بدمه.

 

الجريمة حدثت في حي البراضعية الراقي بالبصرة في شهر كانون الثاني الماضي، قلة من الناس في المدينة اهتموا بالنبأ، بينما كثيرون اعتبروا هذا المشهد عادياً أو جزءاً من حياتهم اليومية، الأمر المثير للاهتمام، رد الفعل الهادئ من السكان والشرطة الذي يشير الى أن الأمن في هذه المدينة الاستراتيجية انهار بالكامل.

 

وبينما تسبب داعش بدمار كبير في مناطق العراق الشمالية، فإن مشاكل البصرة سببها شركات متعددة الجنسيات ومسؤولون فاسدون وزعماء قبائل، وفقاً لمصدر. وكان وطبان، مجرد ضحية واحدة في صراع محلي دموي من أجل المال والقوة اللتان يغذيهما العطش اللانهائي في العالم على يد التجارة بالنفط الأكثر ربحاً في البلاد.

 

وقال مستشارٌ عسكري اشترط عدم ذكر أسمه “كل هذه القبائل تحولت الى عصابات مافيا، وهذه مشكلة خطيرة للغاية نعاني منها منذ سنوات، والحكومة المحلية عاجزة عن التعامل معها الحال بالبصرة هو دولة داخل دولة”.

 

البصرة الواقعة في الركن الجنوبي الشرقي من العراق، يعيش فيها مليونا شخص، ببنية تحتية واقتصاد وحوكمة وثقافة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بصناعة الطاقة. واذا كانت المدينة المحيطة بها تشترك باسمها، فانها ستكون اكبر منتج للنفط في العالم، قبل الامارات العربية المتحدة والكويت.

 

تنتج البصرة حوالي 3.5 مليون برميل نفط يومياً اي حوالي 70٪ من الانتاج الوطني العراقي، فإن استقرارها ضروري لفرص البلد بالحفاظ على النفوذ داخل المجتمع الدولي للتعافي من الدمار الذي خلفته الحروب ولاسيما داعش خلال السنوات الثلاث الماضية.

 

المخاطر الكبيرة جلبت اخطاراً جديدة يمكن ان تشكل تحدياً للحكومة، مثل حملة المتطرفين لاقامة دولة تعود الى القرون الوسطى في الشرق الأوسط، وفقاً لمسؤولين وقادة مجتمع محلي مطلعين.

 

وللحصول على شريحة اكبر من سوق الطاقة الذي تبلغ قيمته عدة تريليونات من الدولارات، دخلت الشركات الأكثر ثراءً في العالم بشراكات غامضة مع قنوات خلفية من القبائل المحلية والبيروقراطيين الفاسدين لتأمين الوصول الى حقول النفط. وقد ادى هذا الى رشى ضخمة تُقدم لكبار الموظفين.

 

وقال مسؤول حكومي كبير عيّنه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي للتحقيق في القضية، إن “ثلاثة من ابرز عشائر البصرة دفعت اكثر من 105 ملايين دولار كجزء من خطة ابتزاز خفية للحصول على مبتغاها”.

 

وتقول مصادر، من شيوخ عشائر ومقاولين أمنيين، إن هذا النوع من المدفوعات شجّع القبائل على ترويع او حتى قتل اي شخص يهدد سعيهم للحصول على اكبر قدر من المال والسلطة، مما يزرع هذا الحال الخوف في شوارع البصرة ويعرض التعافي الاقتصادي في العراق للخطر.

 

وفي أواخر شباط الماضي، أرسل العبادي ثلاثة ألوية عسكرية الى المدينة والمناطق المحيطة بها، لانتزاع سيطرة العشائر على البصرة، والتقليل من انتشارهم مؤقتاً من اعمال عنف، لكن قلة من الناس ممن يتمتعون بتجربة المنافسات العرقية المعقدة بالبصرة واثقون من ان الانكماش مستمر.

 

أحمد علي سائق أجرة يقول “لن ينتهي هذا الكابوس الملعون، نحن نعرف ذلك، لقد ازالت القوات الامنية داعش، لكنهم لن يكونوا قادرين على ترويض هذه العشائر”.

 

ووفقاً للجنةٍ حكومية تشكّلت في أوائل عام 2016 لحل المشكلة، فإن عشرات الاشخاص لقوا حتفهم في البصرة خلال السنوات الثلاث الماضية نتيجة للعنف الناجم عن الاشتباكات القبلية حول عائدات النفط، فضلاً عن جرح المئات.

 

الاحصائيات في شهر كانون الثاني الماضي، تتحدث عن مقتل شخص يبلغ من العمر 25 عاماً وفي 22 من الشهر نفسه، وُجدت آثار على مجموعة جثث نتيجة أعمال انتقامية دموية. وبعد ذلك بساعات، قام افراد عشيرة البطاط بتطبيق نظام العدالة الخاص بها، خلال إرسالها مسلحين الى بلدة الكرمة للانتقام من عشيرة الحمدان، لتندلع معركة شرسة أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص آخرين.

 

وتعمل حوالي 800 شركة نفط دولية مرخصة في العراق وتعترف بها وزارة النفط، مع أكثر من 50 ألف عامل أجنبي يعملون في قطاع الطاقة بالبصرة لوحدها، لكن الحجم الهائل لهذه الصناعة أثبت أنه نعمة ونقمة في آنٍ واحد.

 

بموجب أحكام دستور العراق، فإن الموارد الطبيعية للبلاد مملوكة للشعب. ونتيجة لذلك، فقد كانت الدولة بحاجة إلى إيجاد وسيلة للتنقل حول قوانينها الخاصة عند فتح حقول النفط للمناقصة، إذ قررت الحكومة أن أفضل حل هو رشوة مختلف العشائر التي يقع على أراضيها النفط، تحت ستار التعويض، على أمل أن يكون هذا كافياً لاسترضاء العشائر الرئيسية التي تسيطر على البصرة.

 

لكن هذه الخطوة جاءت بنتائج عكسية وبدأت العشائر تطالب بمزيد من المال، وهذه المرة ذهبت العشائر مباشرةً الى الشركات العالمية، حسبما يقول مطلعون. وحين قامت بعض الشركات راضخةً بتقديم المال للعشائر ازدادت جرأة الأخيرة برفع سقف مطالبها، ما أوصلت الحال الى دورة لا نهاية لها من عمليات القتل الانتقامية التي جلبت الفوضى للمدينة الجنوبية.

 

عيّن العبادي الشيخ محمد الزيداوي رئيساً للجنة وطنية لانهاء الصراعات العشائرية وقال، إن “ثلاث عشائر محلية هي، البطاط والحلاف والعويچات استلمت من الشركات الاجنبية مبلغا قدره 105 مليون دولار للسماح لتلك الشركات بالعمل على اراضيها”.

 

وقد نشأت هذه المبالغ كخطة للتعويضات التي تم إطلاقها عندما تم فتح حقول النفط العراقية للاستثمار على يد الشركات المتعددة الجنسيات لاسيما في شمال البصرة.

 

احدى الحوادث التي يرويها مصدر لصحيفة “AREB NEWS” وهي أن حافلة صغيرة تقل موظفين تابعين لشركة نفط اجنبية كانت في طريقها الى البصرة من حقل غرب القرنة، تعرضوا في العام الماضي، لكمين نصبته شاحنة صغيرة تقل عدداً من المسلحين الذين فتحوا النار وأرعبوا الركاب لكن دون وقوع اصابات، واعتبر الهجوم بمثابة إنذار قبلي للشركة الاجنبية لدفع المال لها.

 

واعترف علي فارس شداد، رئيس لجنة النفط والغاز في مجلس محافظة البصرة، بأن الوضع قريب من خطر الخروج عن السيطرة “السبب الرئيسي لعدم الاستقرار هو المنافسة غير المشروعة بين القبائل والشركات المحلية”.

 

ولطالما كانت الشبكات القبلية، محور الحياة الاقتصادية في البصرة، وظلوا متمسكين لسنوات بالسلطة الاستبدادية الوحشية لنظام صدام حسين. وبموافقة ضمنية من رئيس النظام السابق، استخدمت العشائر اتصالاتها الاقليمية الواسعة لتهريب الطعام والاسلحة والمخدرات والكحول بين العراق وايران ودول الخليج، مقابل ان يمنح صدام هذه العشائر ملكية الاراضي الشاسعة الممتدة من الشمال الى الشمال الغربي من البصرة، رغم علم صدام ان تلك العشائر تسيطر على بعض أكبر احتياطات النفط في العالم.

 

وتقول مصادر إن مجموعة عشائر وشركات طاقة ومسؤولين حكوميين فاسدين، يحاولون الان الاستفادة من طفرة الطاقة الضخمة التي أعقبت الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على العراق. فيما يتحدث بالوقت نفسه، مصدر أمني كان يعمل في شركة للطاقة أن شركته دفعت لاحدى العشائر 25 مليون دولار كتعويض على مدار ثلاث سنوات، بالاضافة الى 25 مليون دولار أخرى كـ“هدايا ورشى وعمولات”، لحماية عمليات تلك الشركة.

 

وتضيف أن “المدراء الاجانب لا يريدون التوقف عن العمل لاي سبب، والتوقف في حال حدوثه لمدة يوم او يومين، يعني خسارة ملايين الدولارات، وهذا امر غير مقبول بالنسبة لهم، لذلك فانهم يدفعون للتخلص من هذا الصداع الذي تسببه العشائر”.

 

وحين استولى المتطرفون على مدن الفلوجة والرمادي ونينوى في عام 2014 سحبت الحكومة معظم قواتها من المحافظات الوسطى والجنوبية واعادت نشرهم عند الخطوط الامامية لسد الثغرات التي خلفها آلاف الجنود المنسحبين لحظة ظهور داعش في تلك المدن. وولّد سحب القوات، فراغاً أمنياً في البصرة، حيث سارعت العشائر الى جانب المسؤولين المحليين لاستغلال الوضع الأمني.

 

وتشير تقديرات الأمم المتحدة الى أن 99٪ من ايرادات الحكومة العراقية تتولد من قطاع النفط، والمبالغ الضخمة من الاموال المرتبطة بهذه الصناعة تجعلها هدفاً رئيساً للمسؤولين الفاسدين.

 

ويقول عراقيون عاملون في شركات النفط للصحيفة، إن “المسؤولين الفاسدين في البصرة يشجعون العنف في المدينة من خلال استخدام العشائر وشبكات مبتذلة يمكنها ابتزاز المستثمرين الدوليين الذين قد يكونون غير راغبين في دفع الرشى.

 

وأضافوا أن “المسؤولين يتصلون بزعماء القبائل ليتحدثوا عن معلومات العقود بشكل خاص، ويزودون المسؤولين بخريطة لمنصات النفط، بالاضافة الى تفاصيل حول قوافل الشركة والحركة اليومية، ناهيك عن أن العشائر مجهزة بمعلومات لتخويف الشركة”.

 

ويقول محمد المترجم في احدى شركات النفط العاملة بالبصرة “هذه تجارة كبيرة تذهب في اتجاهين، اذ يطلب المسؤولون من العشائر الانتقال حين يتم طرح عقد جديد ثم تقديم توصيات وضغط على الشركات لمنح هذه العقود لشركات محلية مرتبطة بالعشائر، فأي شخص يحاول كسر هذه الدائرة دون التنسيق مع (مسؤولين معنيين) سيواجه عواقب عشائرية”.

 

ويقول مستشار أمني يعمل لصالح شركة نفط دولية في شمالي البصرة، إنه تلقى عدة تهديدات عبر هاتفه المحمول كل أسبوع، مبيناً، ان العشائر غالباً ما تجبر الشركات على استئجار سياراتها وتوظيف اقاربها “نحن نعمل بين الذئاب”.

 

المصدر: ترجمة وتحرير: أحمد علاء