خطة كوشنر للسلام: كارثة بانتظار الحدوث

تاريخ النشر 2018-07-11 00:18:40 أخر تحديث 2018-07-16 22:45:34 خطة كوشنر للسلام: كارثة بانتظار الحدوث

بعد أن انتهى مؤخرا من مسألة الاجتماع رفيع المستوى مع الزعيم الكوري الشمالي، كيم جونغ أون، في سنغافورة في حزيران (يونيو)، ربما يحول الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتباهه الآن إلى ما يسميه "الصفقة النهائية" –وهي خطة أميركية جديدة لصنع السلام الإسرائيلي-الفلسطيني.

 

وكان جاريد كوشنر، صهر ترامب وكبير مستشاريه، وجون غرينبلات، مبعوثه للسلام في الشرق الأوسط، قد زارا الشرق الأوسط في حزيران (يونيو) لاختبار الأفكار حول الخطة، واستكشاف طرق لمعالجة الوضع الإنساني المتدهور في غزة. وفي مقابلة واسعة الإطار مع صحيفة فلسطينية في نهاية الرحلة، وعد كوشنر بأن الخطة ستكون جاهزة في القريب، بينما انتقد بشده رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، وألمح إلى هدنة محتملة بين حماس وإسرائيل.

 

سوف يكون الإعلان عن خطة سلام أميركية جديدة في هذا الوقت خطأ فادحاً، والذي سيكون من شأنه أن يزيد الأمور سوءاً فحسب. ويجب على البيت الأبيض بدلاً من ذلك أن يؤجل أي خطة سلام يعمل عليها، وأن يركز أولاً وقبل كل شيء على استقرار الوضع في غزة.

 

من المستحيل أن تكون وسيطاً في صراع أو أن تطلق خطة سلام موثوقة عندما يكون أحد الأطراف رافضاً حتى مجرد التحدث معك.

 

لم يلتق القادة الفلسطينيون مع المسؤولين الأميركيين الكبار خلال الأشهر الستة الماضية، منذ أعلن ترامب عن نيته نقل السفارة الأميركية في إسرائيل إلى القدس. وفي هذا السياق، فإن محتوى أي خطة لن يكون مهماً. وسوف يرفضها الفلسطينيون على الفور.

 

كما يمكن أن تكون لاقتراح الإدارة الأميركية أيضاً آثار سلبية طويلة الأمد، والتي يمكن أن تتكشف بطريقتين مختلفتين. في السيناريو الأقل ضرراً، سوف تقدم الولايات المتحدة اقتراحاً متوازناً ومتوافقاً مع الفهم الدولي للوضع ومع السياسة الأميركية على مدى الجيل الماضي. وفي هذه الحالة، سوف يشمل الاقتراح أن تكون أراضي الدولة الفلسطينية المستقبلية هي معظم الضفة الغربية وقطاع غزة، مع تبادلات في الأراضي لإبقاء أغلبية السكان المستوطنين الإسرائيليين داخل إسرائيل. كما أن الخطة ستشمل أيضاً منح عاصمة للفلسطينيين في القدس الشرقية. وفي المقابل، سوف تحصل إسرائيل على ترتيبات أمنية تضمن أن لا تتمكن حماس والمجموعات المتشددة الأخرى من السيطرة على الضفة الغربية. وسوف تكون هناك آليات دولية لتعويض اللاجئين الفلسطينيين، وإنما من دون حق فعلي في العودة، مع عودة رمزية فقط لعدد محدود من الفلسطينيين الذين يسمح لهم بالعودة إلى إسرائيل، بينما يمارس الأغلبية العظمى حقهم في العودة إلى الدولة الفلسطينية الجديدة، أو يختارون البقاء حيث هم، أو تتم إعادة توطينهم في بلد ثالث.

 

المشكلة أنها ليست هناك فائدة من تقديم هذه الخطة مرة أخرى. وكان الرئيس الأميركي، بيل كلينتون، قد وضعها فيما سُمي معايير كلينتون في العام 2001، وكذلك فعل وزير الخارجية جون كيري في نهاية ولاية إدارة أوباما. وفي الوقت الحالي، فإن كلا الطرفين –حيث لدينا قيادة فلسطينية متشككة بعمق في ترامب، وحكومة إسرائيلية يمينية- سوف يرفضانها. وسوف يعمل مثل هذا الاقتراح فقط على المزيد من نزع المصداقية عن الأفكار التي يمكن على أساسها تحقيق حل مستقبلي قائم على رؤية الدولتين.

 

أما السيناريو الذي يصبح أكثر احتمالاً باطراد، فهو أن تقترح الإدارة بدلاً من ذلك خطة تكون مفضلة أكثر لإسرائيل. وسوف تدعو هذه الخطة، على سبيل المثال، إلى بقاء قوات الدفاع الإسرائيلية في الضفة الغربية لفترة جيل أو أكثر، وتواصل الاحتفاظ بـ60 في المائة من الضفة الغربية التي تسيطر عليها حالياً، بينما يتم إرساء الأسس لإقامةم دولة فلسطينية في غزة. وسوف يكون ذلك لعنة بالنسبة للفلسطينيين. لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سوف يجد مثل هذه الخطة جذابة للغاية، ويرجح أن يقبلها مع بعض التحفظات، وهو ما سيعطيه المرونة للتفاوض على بعض الجوانب.

 

سوف يكون مثل هذا النهج خطيراً بالعديد من الطرق. أولاً، سوف يؤدي إلى محاصرة ساسة يسار الوسط الذين سينظرون إلى خطة ترامب على أنها غير واقعية. ومع ذلك، لن يكونوا في موضع معارضة اقتراح أميركي لأنه سيكون جيداً جداً لإسرائيل. وسوف يتم إرساء خط أساس سياسي جديد في إسرائيل لما يمكن أن يبدو عليه الحل المقبول: واحد لن يوافق عليه الفلسطينيون أبداً. وسوف تكون النتيجة النهائية هي دفع الأطراف إلى مزيد من التنافُر.

 

بل إن ثمة إمكانية أكثر خطورة، هي أنه في حال رفض الفلسطينيون أياً من هذه الخطط –خاصة تلك التي تقبلها إسرائيل- فإن تلك الخطة قد تصبح الأساس الذي تقيم الحكومة الإسرائيلية عليه الحجة مرة أخرى بأنه ليس لديها شريك على الجانب الفلسطيني، لتبدأ بذلك عملية ضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية، وهي خطوة يدافع عنها عدد من الساسة الإسرائيليين الآن صراحة، مما سيجعل إمكانية الحل على أساس الدولتين مستحيلة تماماً. وفي ظل الحكومة الإسرائيلية اليمينية الحالية، وبيت أميركي أبيض منحاز بقوة إلى جانب إسرائيل، فإن حركة الاستيطان الإسرائيلية ربما لن تحصل على فرصة أفضل من هذه أبداً.

 

يبدو أن إدارة ترامب تعتمد على دول عربية لإجبار الفلسطينيين على قبول خطتها. والنظرية هي أن الدول العربية قد تحولت عن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وأصبحت أكثر اهتماماً بمحاربة إيران.

 

صحيح أن الدول العربية المعنية أصبحت مركزة جداً على إيران بحيث أنها ربما تكون راغبة في التحول عن المسألة الإسرائيلية-الفلسطينية، لكنها واجهت المشاكل مسبقاً عندما حاولت أن تفعل ذلك. وقد ظهرت تقارير في الخريف الماضي عن محاولة بُذلت للضغط على عباس، نيابة عن كوشنر، لكي يقبل بأفكار إدارة ترامب، لكن ذلك لم يعمل. وقد تسربت القصة وتسببت برد فعل قوي في وسائل الإعلام العربية. وأدى ذلك إلى إعادة تسمية مؤتمر للجامعة العربية بعد إعلان ترامب الخاص بالقدس ليصبح مؤتمر القدس، بهدف إلقاء الضوء على هذه القضية.

 

وأبعد من ذلك، تركز الإدارة الأميركية على بعض العرب وتتجاهل آخرين.... ويغلب أن تكون الدول الأكثر قُرباً إلى فلسطين أقل مرونة تجاه خطة الإدارة لأنها تؤثر على مصالحها الوطنية، خاصة بينما تتعامل مع مشاكلها الداخلية الخاصة.

 

وبالإضافة إلى ذلك، ليس واضحاً ما إذا كانت الدول العربية ستفعل أي شيء مختلف عما فعلته طوال سنوات. ففي كل مرة طلب رئيس أميركي أو وزير خارجية أميركية دعمها للدفع بخطة أميركية جديدة، فإنها تقول دائماً: نعم. لكنها لا تُتبع ذلك بطرح مبادرات إيجابية ذات معنى للفلسطينيين، ولا بممارسة ضغط سياسي أصيل. والفكرة الأساسية هي أن معظم الدول العربية لا تعطي أولوية للقضية الفلسطينية ولا تتفق كثيراً مع عباس. وهي لن تعرض عليه حوافز كبيرة ولن تأخذ مخاطرات سياسية في الداخل بالضغط عليه، خاصة إذا كانت تعتقد بأن الخطة الأميركية المعنية محكومة بقدر الفشل منذ البداية.

 

بدلاً من التركيز على خطة سلام طويلة الأمد ولها بالكاد فرصة ضئيلة في النجاح، فإن على الإدارة أن تركز بدلاً من ذلك على الحالة الطارئة المباشرة في قطاع غزة، حيث يحصل السكان على أربع ساعات تقريباً من التيار الكهربائي في اليوم، وحيث 90 في المائة من مياه الشرب غير صالحة للشرب، وحيث الوضع يصبح أقل استقراراً باطراد ويمكن أن يشهد اشتعال حرب أخرى بين إسرائيل وحماس.

 

يُحسب لإدارة ترامب أنها تركز بشكل ما على هذه المسألة. وقد عقدت اجتماعاً دولياً حول غزة في واشنطن في آذار (مارس)، ويقال إنها تدفع باقتراح لدول الخليج لكي تستثمر في مشروعات في شبه جزيرة سيناء، والتي ستساعد الاقتصاد في غزة.

 

لسوء الحظ، تسببت الاشاعات حول خطة السلام الأوسع وحقيقة أنها ربما تهدف إلى فصل غزة عن الضفة الغربية وإقامة دولة منفصلة هناك، في جعل العديد من أصحاب المصلحة الرئيسيين يرفضون أي حلول. وقد رفضت السلطة الفلسطينية على الفور الخطة الأميركية لغزة، وقالت إنها طريقة لخلق غزة مستقلة اقتصادياً، ومقدِّمة لتأسيس منطقة منفصلة عن الضفة الغربية. كما أن من غير المرجح أن يذهب المصريون مع هذه الخطة، خشية أنه إذا أصبحت غزة معتمدة باطراد على مصر، فإنها ستصبح مشكلة مصر بدل أن تكون مشكلة إسرائيل.

 

بدلاً من ذلك، على الإدارة أن تسعى إلى طرح مبادرتين فوريتين. أولاً، يجب عليها أن تفرج عن مبلغ 300 مليون دولار التي تحتجزها الولايات المتحدة حالياً لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين (الأونروا). ويقال أن نيكي هالي، سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، قادت هذا الجهد الانتقامي رداً على الاستجابة لإعلان نقل السفارة إلى القدس في الأمم المتحدة. وتسري المعارضة للأونروا عميقاً، خاصة في إسرائيل، وإنما أيضاً في إدارة ترامب، على أساس أن الوكالة تديم ببساطة عقلية اللاجئين بين الفلسطينيين.

 

لكن الإجابة ليست قطع التمويل عن أهم مزود للمساعدات في داخل قطاع غزة وسط أزمة، ومن دون وجود بديل مشروع وعامل. والحقيقة هي أن الأونروا هي الخيار الوحيد المتاح في غزة في الوقت الراهن. فهي تقوم بتعليم نحو 250.000 طفل في مدارسها –وهم أطفال كانوا سيدرسون بخلاف ذلك في مدارس حماس أو يهيمون في الشوارع. وهي توفر الكثير من المساعدات الإنسانية التي تصل إلى غزة. وإذا ظلت الإدارة مصرة على خفض تمويل الأونروا، فإنها يمكن أن تحتفظ بالأموال التي تذهب إلى اللاجئين الفلسطينيين في الأردن ولبنان والأماكن الأخرى، وتطبق الخفض فقط في المناطق التي يمكن أن تتدخل فيها وكالات إغاثة أخرى لملء الفراغ. أما في غزة، فإن الأونروا هي أكبر لعبة في المدينة بما لا يقاس، ولا يستطيع أي طرف أن يسد تلك الفجوة في الوقت الحالي.

 

بالإضافة إلى ذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تقف وراء المبادرة التي يتابعها الدبلوماسي البلغاري والمنسق الخاص للأمم المتحدة لشؤون الشرق الأوسط، نيكولاي ملادينوف، الذي يحاول بناء آلية دولية بديلة لا تعتمد على السلطة الفلسطينية ولا على حماس لإيصال المساعدات إلى داخل غزة، والتي ستستثمر في البنية التحتية الرئيسية للكهرباء والمياه. ويتجاوز اقتراح ملادينوف السياسة الفلسطينية الداخلية، التي تتسبب في دفع السلطة الفلسطينية إلى حجب الكثير من المساعدات التي كانت ستذهب إلى غزة بخلاف ذلك، في محاولة للضغط على حماس. لكن هذه الخطة لا تستطيع أن تعمل من دون استعداد المصريين والإسرائيليين للسماح للمجتمع الدولي بنقل الإمدادات إلى داخل قطاع غزة. كما تحتاج أيضاً إلى دعم مالي من مانحين آخرين، خاصة دول الخليج. وهنا، تستطيع الولايات المتحدة أن تلعب دوراً بناء في الضغط على الأطراف لدعم خطة ملادينوف. وهو الشخص المناسب لمتابعتها، حيث أن كل الأطراف تثق به عموماً وترى فيه وسيطاً نزيهاً.

 

سوف يكون حل قائم على أساس الدولتين هو الإمكانية الوحيدة القابلة للحياة على المدى الطويل، والتي يمكن أن تتيح للإسرائليين والفلسطينيين الفرصة للعيش معاً جنباً إلى جنب في أمن وسلام. وسيكون نظام فلسطيني قادر على إعادة دمج غزة والضفة الغربية تحت قيادة فلسطينية واحدة هو الحل الوحيد طويل المدى، والذي يقبله الشعب الفلسطيني وقادته. وهذان كلاهما هدفان جديران. أما على المدى القريب، وبالنظر إلى الوضع السياسي الراهن، فإن الأولوية الأولى لدى الولايات المتحدة يجب أن تكون تحقيق الاستقرار في غزة قبل الانتقال إلى هذه الأسئلة الأكثر صعوبة.

 

* مقال نشرته الـ(فورين بوليسي) تحت عنوان:Kushner’s Peace Plan Is a Disaster Waiting to Happen للباحث الأميركي (إيلان غولدنبرغ) وهو زميل رفيع ومدير برنامج أمن الشرق الأوسط في مركز الأمن الأميركي الجديد، عمل سابقا كرئيس لموظفي المبعوث الخاص للمفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية، حيث دعم مبادرة وزير الخارجية جون كيري لإجراء مفاوضات سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

 

المصدر: بغداد - العالم الجديد