لماذا ازدادت ملوحة شط العرب؟

تاريخ النشر 2018-08-13 00:40:22 أخر تحديث 2019-05-24 15:19:58 لماذا ازدادت ملوحة شط العرب؟

تترابط قضايا السياسة والاقتصاد والمياه في بلاد الرافدين بشكل وثيق، فقد شكل ازدياد ملوحة المياه عاملا أساسيا لاندلاع شرارة الاحتجاجات في البصرة خلال تموز يوليو الماضي.

 

لا شك أن للسدود التركية على نهري دجلة والفرات أثرا بالغا في انحسار مياه النهرين، ما قلل من تدفق مياههما الى شط العرب، إلا أن لمشاريع السدود الايرانية أثرا قد يكون الأكبر في حرمان الشط المعول عليه في سقي أراضي البصرة وأهلها من تدفق المياه العذبة.

 

لكن حبس إيران لما يصل إلى نحو 85 بالمئة من المياه التي تصل العراق عبر اراضيها بسبب السدود والخزانات على 42 رافدا ونهرا مشتركا، يكشف سر زيادة الملوحة في شط العرب، لأن هذه الروافد كانت تصب في دجلة والأهوار جنوبي العراق.

 

إن أزمة المياه ليست حديثة، بل هي ممتدة منذ فترات طويلة نتيجة لظروف طبيعية وللأدوار التوسعية التي تمارسها دول الجوار في خنق الممرات المائية لنهري دجلة والفرات على العراق, من جهة تركيا ومن جهة ايران على حد سواء, ونتيجة لذلك فان من الطبيعي أن تشتد يوما بعد يوم حالة الذعر, والهيجان, والاحساس بالواقع السيئ فيما يخص شحة المياه والملوحة, وخاصة في المحافظات الجنوبية من العراق, ما جعل المواطن يتظاهر ويحتج على واقعه المائي الذي ينقص يوما بعد يوم, مع الأخذ بنظر الاعتبار أن المواطن أيضا عليه مسؤولية في الحفاظ على الثروة المائية وعدم إهدارها, أو التجاوز على الحصص المائية من جانب, ومن الجانب الآخر عليه أن يعرف من المتسبب في نقص إيراداته المائية, وما سبب نقص الماء في البصرة؟

 

ملوحة البصرة وإيران:

سد داریان على نھر سیروان المعروف بنھر ديالى في العراق في المرحلة التجريبية للسد تم قياس تدفق المياه الواصلة إلى العراق والتي كانت 0.5 م مكعب (نصف متر مكعب فقط) في الثانية, من حيث ان معدل المياه الطبيعي قبل الشروع بتجربة السد كانت 2.4م مكعب بالثانية بالإضافة إلى أن سد دربندخان يستقبل 75 بالمئة من وارداته من نهر سيروان الإيراني، وبذلك تقل إمكانيته في توفير الطاقة الكهرومائية والري, إن إيران قد أنشات ما لا يقل عن 14 سدا تؤثر تأثيرا مباشرا على الواقع المائي وتوفر المياه، وسببت زيادة في الملوحة للتربة داخل الأراضي العراقية.

 

إغلاق مصب الكارون:

أغلق عملياً مصب الكارون من الجانب الإيراني في شط العرب، وحول مساره ليسير في موازاة شط العرب ليصب في الخليج، وبهذا فقد العراق الماء الحلو من الجانب الإيراني. في نفس الوقت لا يوجد لدى العراق فائض من المياه يعادل (209)م3/الثانية لإبقاء مياه شط العرب حلوة، ولهذا بدأت تدخل المياه المالحة أثناء المد حتى إلى البصرة وإلى شمالها أيضاً، وكان رافد نهر الكارون يساهم بشكل كبير في دفع المياه المالحة القادمة من الخليج العربي للجزء الجنوبي من شط العرب.

 

وأعلنت السلطات الإيرانية أن نهر الكارون سيظل مغلقا في الاتجاه العراقي حتى شهر ايلول سبتمبر المقبل، وهي الفترة الكافية لإنشاء 4 سدود على النهر.

إن أكبر مخطط للحكومة الإيرانية استهدف نهر الكارون أكبر أنهار البلاد من حيث الطول، بإنشاء 90 سدا، يعمل حاليا منها 40 سدا بسعة تخزين تبلغ 24 ملیار متر مكعب من الماء، ليوشك على الجفاف الشريان الأساسي لمحافظة خوزستان، لاسيما مناطقها الشمالية ووسطها، وصولا إلى جنوب غربي الإقليم في مدينتي عبادان، والمحمرة عندما ينتهي به المطاف في شط العرب.

 

الكرخة:

أما قطع مياه الكرخة والدويريج، فقد جعل مياه شط العرب مالحة وملوثة، الأمر الذي تسبب في فقدان البصرة ومدن جنوب العراق أهم مصدر للمياه الصالحة للشرب، لأن المياه حاليا تحتاج إلى معالجات كثيرة تفوق القدرات العراقية، فقد شمل مخطط الحكومة الإيرانية لإدارة المياه إنشاء 50 سدا علی نهر الكرخة، أكبر أنهار إيران من حيث منسوب المياه السنوي، دخل 14 منها المراحل العملية، ويبلغ حجم مخزونها نحو 10.2 مليار متر مكعب، لتؤدي إلى جفاف نهر الكرخة الذي كان يصب في هور العظيم بين مدينة الأهواز في ايران وميسان في العراق.

 

يذكر أن الكميات المائية الوافدة إلى العراق من نهري الكرخة والكارون، والتي كانت من اهم أسباب عدم ملوحة البصرة، والسبب الرئيسي في غسل اللسان الملحي وزيادة خصوبة التربة حيث كان يأتي من نهر الكرخة بحدود 5 مليارات متر مكعب سنوياً، ومن الكارون 15 مليار متر مكعب سنوياً، أي بحدود 20 مليار متر مكعب سنويا، وهذه الكمية التي باتت في طور الصفر، هي أكثر من الخزين الاستراتيجي الحالي الذي يتمتع به العراق من كلا دولتي المنبع (إيران، وتركيا).

 

وما زاد الطين بلة هو مواصلة الجانب الإيراني إلقاء المخلفات في مياه شط العرب التي تزيد من ملوحة النهر، الامر الذي جعل عامر الفايز النائب عن البصرة يرجح في تصريح سابق، "تحول نهر شط العرب يوما ما إلى ماء بحر".

 

ضائعات المناخ

كما ويلعب المناخ دورا هاما وأساسيا في فقدان كميات كبيرة من المياه نتيجة التبخر في فصل الصيف، فضلا عن النسبة المخيفة من التجاوزات على الحصص المائية وعدم احترام التوزيعات المائية بعدالة وإنصاف في مختلف المحافظات، ومن ضمنها البصرة، وبدوافع شخصية، وحزبية، لتحقيق منافع ذاتية بعيدة عن الاهتمام بالصالح العام.

 

إن كمية التبخر من الأهوار العراقية، وصلت لأكثر من ٧٦ إلى ٨٠ مترا مكعبا، يضاف اليها فقدان نحو 20 مترا مكعبا من المسطحات المائية كـ“سد الموصل وبحيرة الحبانية، وبحيرة الثرثار، وغيرها.

 

سدود إيران تغذي برنامجها النووي

أشارت صحيفة الشرق الاوسط في 27 تموز يوليو الماضي، الى أن موجة إنشاء السدود لازالت قوية بايران في زمن انقضت فيه سياسة بناء السدود في العالم، مؤكدة أن المشاريع التي بدأها الرئيس الايراني الراحل علي أكبر هاشمي رفسنجاني، استمرت في الحكومات التالية على الرغم من المعارضة الواسعة والمحذورات البيئية، فقد بلغ عدد السدود المشیدة والتي لازالت في مرحلة التشیید  1330 في عهد الرئيس الاسبق محمد خاتمي، لتتسع الى نحو 65.3 ملیار متر مكعب.

 

وبين دول المنبع (إيران وتركيا) يقع العراق دولة "الذنائب" فريسة للاستحواذ الإقليمي من جهة جيرانه، والسيطرة الشخصية من الداخل لتحقيق منافع فردية تطيح بما تبقى من قطرات الماء التي تصل إلى المواطن.

المصدر: بغداد - أنور الموسوي