الغارديان: (العراق يموت).. النفط يتدفق بحرية والفساد يغذّي الغضب المتصاعد

تاريخ النشر 2018-08-28 13:41:58 أخر تحديث 2019-05-22 00:59:40 الغارديان: (العراق يموت).. النفط يتدفق بحرية والفساد يغذّي الغضب المتصاعد

أرض عشيرة "بني منصور" في الشمال الشرقي لمحافظة البصرة مستوية ومكتظة وممزقة كقشورٍ جافة يكسوها الملح والشجيرات الشائكة. وتشكل مجموعات أشجار النخيل فيها بقعاً صغيرة لتكون منظراً طبيعياً من اللون الأخضر.

 

في تلك القرية، توجد عشرة حواجز، كل منها يحتوي على بئر نفطي ومضخة، تمتد حولها خطوط كالأفاعي واقعة على الأرض، تصل هذه الخطوط الى القرى الممتدة من الآبار حتى محطات الضخ. وتعلو منصات النفط مشهد جنوب البصرة، باعثةً بالوقت نفسه دخان اسود في الأفق.

 

هذه الأرض قريبة من حقل القرنة، واحدة من أكثر المناطق ربحاً في العالم، وهي مملوكة للحكومة العراقية وتديرها شركة إكسون موبيل. بعد سنوات من العقوبات والإهمال، ارتفع انتاج النفط في العراق وهنا بدأت المشكلة.

 

أصبح الطريق ذو المسارين الذي يعبر أراضي "بني منصور"، طريقاً سريعاً مزدحماً بالشاحنات التي تحمل معدات الحفر والحافلات التي تنقل عمال النفط الأجانب ذهاباً واياباً، فيما نوافذ المنازل الشاهد الوحيد لحركة المرور.

 

هذه الأرض رحبت بانفتاح احتياطات العراق النفطية بالخبرات الأجنبية عقب سقوط نظام صدام حسين كوسيلة لإطلاق اقتصاد معهود وتحويل الجنوب الى معقل اقتصادي مهم، لكن بعد مرور السنين، لم يشهد العراقيون الساكنون هناك، أي فائدة من عائدات النفط التي تبلغ تكلفتها مليارات الدولارات التي استحوذ عليها السياسيون الفاسدون.

 

وعبر الجنوب في الأشهر الأخيرة، ارتفعت حدة الغضب نتيجة الفساد والبطالة بسبب الحالات المزرية للخدمات العامة وانقطاع التيار الكهربائي ونقص المياه.

 

يقول القرويون في "بني منصور" انه قبل هذا الوقت، كانت هذه الأرض نقطة التقاء دجلة والفرات وفيها أكثر من 300 نخلة، فضلاً عن اعداد كبيرة من الجواميس والابقار المستقرة بالمياه الموحلة الخضراء.

 

تسلل الجفاف والمياه المالحة معاً من الخليج، ليقضيا على معظم بساتين النخيل، فبيعت الماشية برخص الثمن، وجُففت الأنهار الصغيرة، وتعثرت القنوات بسبب القمامة، وأدى الفساد وسود الإدارة من جانب الحكومتين المحلية والمركزية اللتين تسيطر عليهما مجموعة من الأحزاب الدينية التي حكمت العراق لأكثر من عقد من الزمان، الى كارثة بيئية بطيئة الحركة.

 

شركات النفط التي من المفترض ان تقوم بتدريب وتوظيف اليد العاملة المحلية والاستثمار مرة أخرى بمشاريع التنمية، اضطرت الى توظيف من لديهم صلات بشيوخ العشائر القوية المتصلة بالأحزاب الإسلامية.

 

ونادراً ما يحصل هؤلاء السكان المحليون على الأموال، ولا أي جزء من عائدات النفط تتدفق لهؤلاء الناس، بينما، تذهب هذه العائدات بدولاراتها الضخمة الى ميليشيات محلية لها صلات بالعشائر والأحزاب السياسية الذين لديهم شركاتهم الخاصة التي تضع عقوداً امنية مربحة مع شركات تابعة لشركات النفط الأجنبية.

 

بنظر القرويين المحليين، أصبحت حركة السير على الطريق الضيق تذكاراً يومياً بالتناقض التي تعيشه ارض "بني منصور" بين الثروة اللامحدودة الواقعة اسفل منازلهم، والفقر المدقع فوق الأرض.

 

Image

 

"جلبوا مروحيات وعربات مصفحة"

نقطة الانفجار كانت في أوائل شهر تموز، حين ارتفعت درجة الحرارة الى ما يقرب من 50 درجة مئوية، في ظل فشل الكهرباء مراراً وتكراراً، فيما صنبور المياه حار ومالح مثل مياه البحر.

 

أمام بوابات مجمعات شركات النفط، تجمع حوالي عشرين رجلاً، واغلقوا الجزء من الطريق المتاخم لقريتهم، وتحت شمس الصيف العراقية الحارقة، داسوا بأقدامهم ورفعوا أسلحتهم وشجبوا شركات النفط والسياسيين بحالة من الغضب.

 

وحدة حماية الشرطة، سارعت الى التمركز امام باب المجمع لمواجهة المحتجين، بينما وصلت وحدة من القوات الأمنية لحماية حقول النفط وسط انتشار لعربات مدرعة. الشاحنتان المدرعتان وقفتا بوجه المتظاهرين الذين بدأوا برشقها بالحجارة، ما دفع الجنود والشرطة الى الرد بالذخيرة الحية، الأمر الذي أدى الى قتل متظاهر شاب واصابة ثلاثة آخرين.

 

في القرى المحيطة بالمجمع، اتصل الرجال ببعضهم البعض واتجهوا لمساعدة الجيران والاقارب، ما أدى الى امتداد حجم التظاهرة الى بضع مئات من الناس.

 

يقول علي الموظف الحكومة الذي يعيش في القرية "حين سمعنا بنبأ مقتل شخص من منطقتنا، قفز الجميع الى سياراتهم، وذهبوا للانضمام للتظاهرة، وحين تجمهرنا، احضرت القوات الأمنية طائرتي هليكوبتر وثلاث مركبات مدرعة، فتساءلت أين كانت هذه القوة حين استولى داعش على الموصل؟".

 

وفي تلك الليلة، نظمت مجاميع أخرى في المناطق الغنية بالنفط احتجاجات واسعة، وفي اليوم التالي نُظمت تظاهرة كبيرة في البصرة، وانتشرت الى مدن الجنوب الأخرى بعد بضعة أيام.

 

وعبر الجنوب، خرج عشرات الالاف من الناس الى الشوارع، ما دعا البعض الى المطالبة بتوفير الكهرباء والمياه، بينما طالب آخرون بالتوظيف، لكن الجميع شجبوا الفساد ومحاباة الأحزاب السياسية، فتمت مهاجمة مقارهم ونهبها.

 

وقد تم توجيه الكثير من الاتهامات الى إيران، التي عانت لأسابيع من الاحتجاجات في الشوارع بسبب المظالم الاقتصادية. ورأى العديد من المتظاهرين العراقيين إيران كحامية للأحزاب السياسية الفاسدة في العراق، حتى أن بعض المتظاهرين رددوا شعاراً بلهجة العراق العامية "ايران برا برا". وفي حالات أخرى تم إحراق صورة كبيرة لمؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله الخميني في البصرة.

 

ويضيف الموظف علي أن "الناس طالبوا بحقوقهم، فهم يرون ان العراق يموت والخناق يشتد عليه من قبل هذه الأحزاب التي كانت تنهب البلد لمدة 15 عاماً، فهم متهمون بخدمة ايران ومصالحها اكثر من مصالح بلدنا".

 

بعد الغزو الأمريكي على العراق، واجهت شرعية الدولة العراقية ونظامها السياسي تحدياً من قبل السكان السنة في وسط وشمال العراق ممن ازدهر عصرهم في عهد صدام حسين. فقاوموا "الغزو" وحاربوا الأجانب وازداد تطرفهم.

 

الان، وبعد حقبة ما بعد داعش، لم يعد التمر السني يهدد الدولة، بل الأغلبية الشيعية التي دفعت الدماء دفاعا عن البلاد من خطر داعش، جعلهم يتساءلون عن شرعية الدولة العراقية. فعشيرة "بني منصور" قدمت تضحيات كبيرة خلال معركة الدفاع عن العراق ضد داعش حين قُتل منها 500 رجل خلال الأعوام الماضية.

 

وردت الحكومة على الاحتجاجات بالعنف، واطلقت الرصاص الحي وقتلت 11 شخصاً على الأقل. وقد تم اعتقال المئات وتعذيبهم، بحسب ناشطين ومحامين ومسؤولي امن تحدثوا الى الغارديان.

 

واُتهمت الجماعات شبه العسكرية المرتبطة بالاحزاب السياسية بفتح النار واختطاف المتظاهرين، واطلق رجال ملثمون النار على محامٍ بارز كان يقود فريقاً سيدافع عن المحتجين الذين اعتقلتهم الشرطة. ومثل الكثير من المتظاهرين، يتم توجيه الكثير من غضب الرجال الشيعة الى الأحزاب الشيعية التي تهيمن على السياسة العراقية. 

 

ويتحدث (علي) عن هذه الأحزاب بوصفها المسؤولة عن الفشل الذي دام 15 عاماً "في الانتخابات السابقة صوتنا جميعاً للأحزاب الشيعية لان هذا ما قاله لنا رجال الدين وشيوخ القبائل، والان نحن نحمل هؤلاء المسؤولية، ألم يروا ما كان يحدث طيلة الـ 15 عاماً؟".

 

ويردف "بينما كنا محاصرين في الحرب الطائفية، الشيعة يقتلون السنة ثأراً لموت الامام الحسين قبل 14 قرناً، والسنة يذبحوننا لأنهم اتهمونا بالاستيلاء على السلطة، فالسياسيون السنة والشيعة جلسوا في البرلمان وبنوا ثرواتهم بدماء الناس الذين يذبحون بعضهم البعض في الشارع".

 

من جهته، يقول المواطن هيثم "النظام كله فاسد ويجب الإطاحة به، ونحن نعيش في سلام، لكن كل واحد منا يجلس تحت مستودع للأسلحة، ومنذ 15 عاماً استشهد مليون عراقي، ولو أننا خضنا مظاهرات في وقت مبكر وفقدنا الف شخص سنكون في مكان افضل الآن".

 

Image

 

"أنا دعامة لهذا الفساد"

يقول مسؤول حكومي وهو يحتسي القهوة التركية في ردهة احد فنادق البصرة الكبيرة "اشعر بالأسف تجاه هؤلاء المتظاهرين، ولا امل في ان ينجحوا". المسؤول في الثلاثينيات من عمره، حاصل على تعليم جيد وعمل مع شركات غربية في البصرة، قبل ان يحصل على وظيفة مرغوبة في مجلس المحافظة.

 

يوضح أن "هذه الأحزاب لديها لجان اقتصادية تحصل على نصيب من كل عقد حكومي، في ظل حماية الاجنحة العسكرية لهذه الأحزاب المصالح المُبرمة. ويضيف "انا اعلم انهم فاسدون، لأنني احد اركان هذا الفساد ودعامته في هذه المدينة". قائلاً ذلك بصراحة رائعة.

 

 ويشرح المسؤول كيف أن عشائر البصرة لديها صلات بأكثر من حزب ديني تسيطر على مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية التي تعود ملكيتها لعائلات ثرية في الخليج او العائلات السنية التي فرت منذ اندلاع الحرب الطائفية، فحولت العشائر الأراضي الى قطع سكنية مربحة، فكانت وظيفة هذا المسؤول إصدار شهادات مزورة، تؤكد ان الأرض كانت سكنية.

 

النفايات الناتجة عن المنازل المبنية دون توصيل شبكات الصرف الصحي وشبكات المياه الملائمة تمنع القنوات والانهار من السير بحرية مما يحولها الى مستنقعات راكدة ويزيد من تدهور البيئة، وهذا ما يهدد حياة المزارعين.

 

في هذا الشهر، قام رئيس الوزراء حيدر العبادي بإقالة عدد من مسؤولي وزارة الكهرباء في أحدث محاولة لتهدئة الغضب الشعبي بسبب انقطاع التيار الكهربائي المزمن. وفي الشهر الماضي استبعد وزير الكهرباء قاسم الفهداوي "بسبب تدهور قطاع الكهرباء".

 

لكن الاحتجاجات لا تظهر أي علامة على التراجع. ففي 14 آب، فضّت الشرطة اعتصاماً قرب حقل القرنة، مما أسفر عن مقتل شخص واحد وتوفي آخر في وقت لاحق. وبعد يومين من هذا الحدث، قام متظاهرون بإضرام النار في مبنى مجلس مدينة القرنة رداً على تكرار حالات القتل من قبل قوات الشرطة، فيما نظّم المحتجون كل يوم جمعة مسيرات احتجاج كبيرة بالبصرة.

 

ومثل الأنهار والقنوات المائية الراكدة، أصبحت الديمقراطية العراقية ضحية لدورة لا تنتهي من الفساد، فصارت كلمات مثل الانتخابات والبرلمان والديمقراطية مرادفاً لكلمات مثل الفساد والمحسوبية والطائفية. ويطالب العديد من المتظاهرين بمطالب مشؤومة مثل إقامة نظام سياسي قوي ووضع حد للبرلمان.

 

مزاحم التميمي، عضوٌ مستقل منتخب حديثًا للبرلمان عن محافظة البصرة، يقول إن "التظاهرات ليست ناجمة عن قطع المياه المالحة والكهرباء وحدها، فقد اعتدنا على ارتفاع درجات الحرارة وملوحة المياه منذ زمن صدام حسين، ففي ذلك الوقت كنا نخضع لعقوبات اقتصادية، اما المشكلة اليوم لدينا اموالاً (من النفط) لكن لا يتم استخدامها لمساعدة الناس".

 

المصدر: صحيفة الغارديان البريطانية لقراءة الرابط الأصلي

 

Image

أحمد علاء

 

المصدر: ترجمة وتحرير: أحمد علاء