نفوق الاسماك ناقوس خطر للبيئة العراقية

تاريخ النشر 2018-11-06 15:28:59 أخر تحديث 2018-11-19 06:28:25 نفوق الاسماك ناقوس خطر للبيئة العراقية

 

انتشرت في بداية الشهر الجاري ظاهرة نفوق الاسماك الجماعي جراء انتشار مرض تعفن الغلاصم المسبب لهلاك الاسماك في اقفاص التربية، اشغلت الراي العام واستنفرت الجهات الحكومية كامل طاقاتها لمحاصرة هذا الوباء خصوصاً في قضاء المسيب –سدة الهندية- بمحافظة بابل، فضلا عن الادارات المحلية في المحافظات، توجت بتشكيل لجنة برئاسة رئيس مجلس محافظة بابل وفق قرار مجلس الامن الوطني المنعقد يوم الاحد 4 تشرين ثاني 2018 لمتابعة تنفيذ القرارات المتعلقة واستنفار جهد الدولة في جمع الاسماك النافقة وطمرها للحفاظ على الأنهار والبيئة العامة من التلوث. فما هي حقيقة هذا الوباء، وما هي اسبابه الحقيقية والمتسبب بهذا الوباء،وما هي الجهود والاجراءات لمعالجته، وما هي حجم الاضرار الناجمة عنه؟                   

 

النفوق الجماعي للأسماك

عبارة عن مرض فطري وبائي يصيب فقط أسماك الكارب بأنواعها، يصطلح عليه مجازاً تعفن الغلاصم البكتيري حيث تتواجد الجرثومة على الزعانف والغلاصم وبالتالي نفوقها بسبب الخنق جراء انخفاض كمية الاوكسجين في الماء، مع ملاحظة انه مرض تسجله وزارة الزراعة بشكل مستمر سنوياً ولكن بكميات اقل من الحجم الحالي .

 

البدايات

لم يكن هذا المرض بالجديد على الاسماك في العراق وحاله حال العديد من الاوبئة التي تفتك بالكائنات الحية، وكان أول ظهور له في نهاية تسعينات القرن الماضي وأدت الإصابة الأولى في حينها إلى هلاك أسماك الكارب في المختبر المركزي للأسماك واحواض التربية في الصويرة بمحافظة واسط، ثم حدثت اول اصابة بهذا المرض خلال هذا العام بداية شهر تشرين الاول الماضي في مناطق محافظة ديالى (جديدة الشط)، وفي يوم 10 تشرين اول سجلت الدوائر البيطرية اصابات في اقفاص التربية في التاجي والطارمية التربية وكانت الاصابة شديدة وتم تشخيصها مختبريا قامت الدوائر البيطرية بالسيطرة على المرض ومنع انتشاره، وفي يوم 10 تشرين اول من هذا العام سجلت دائرة الصحة الحيوانية اصابات في بغداد (الطارمية) والانبار(هيت)،وفي واسط، وجميع تلك الاصابات كانت ضمن المستوى الطبيعي وتمت معالجة الوباء، ليصل الى محافظة بابل (المسيب) يوم 30 تشرين ثاني 2018 بشكل خطير ادى الى نفوق ملايين الاسماك فيها سدة الهندية مركز قضاء المسيب.

 

الاسباب

1- تتفق جميع الآراء بان هناك عدة أسباب أدت إلى هذا الوباء، يمكن ذكرها بالاتي:

من أهم الأسباب هو انخفاض مناسيب المياه في نهري دجلة والفرات وقلة الإيرادات المائية من تركيا وبالتالي ركود وتوقف جريان المياه في بعض مناطق تربية الأسماك بالأقفاص العائمة والذي يتسبب في انخفاض كمية الأوكسجين وزيادة تركيز المواد الضارة مما أدى إلى توفير بيئة مناسبة لانتشار الأمراض وتحفيز الإصابات الفطرية والبكتيرية.

 

2-  عدم الالتزام بالتعليمات والضوابط، ومنها: أغلب مشاريع تربية الأسماك غير حاصلة على إجازة ترخيص من قبل وزارة الزراعة حيث يصل مجموع المشاريع غير المجازة الى نسبة 90% من المجموع العام لعموم العراق. وكمثال على ذلك، فان 15 مشروع فقط اجيز بالتربية من مجموع 200 مشروع في منطقة الوباء بسدة الهندية .وبالتالي فان المشاريع غير المجازة لا تلتزم عادة بتعليمات وضوابط وزارة الزراعة كالفحص الدوري للأسماك مرتين أسبوعيا وفحص الاعلاف مختبريا قبل استعمالها.

 

-   كثافة عدد الاسماك داخل القفص الواحد وعدم الالتزام بالمحددات البيئية والصحية عند انشاء هذه الاقفاص – حسب بيان وزارة الزراعة في بداية هذا الاسبوع، اذ ان وحدة القياس العالمية هي "25" سمكة للمتر المربع الواحد، ولكن في الواقع رصد قسم الصحة الحيوانية وجود "3-4 الاف " سمكة في القفص الواحد ادى الى نقص الأوكسجين وتحفيز الإصابات الفطرية والبكتيرية نتيجة تخمر مخلفات الاعلاف وفضلات اﻻسماك في قاع النهر الراكد وانبعاث غاز اﻻمونيا نتيجة التحلل مما ادى الى تعفن او تلف غلاصم اﻻسماك وبالتالي نفوقها. اضافة الى عدم الالتزام بالتعليمات الاخرى المتعلقة بوجوب ابتعاد كل مشروع لتربية الاسماك عن اقرب مشروع مشابه مسافة لا تقل عن كليو متر واحد، الا ان الحالة التي تم رصدها في سدة الهندية تكشف وجود (200) مشروع في مساحة 15 كيلو متر. اضافة الى مخالفة الشرط المتعلق بوجوب ارتفاع القفص عن قاع النهر بما لا يقل عن متر واحد.

 

3-  المخلفات الصناعية والطبية والمنزلية التي يتم رميها في نهري دجلة والفرات من ملوثات صناعية ومنزلية بدون عمليات معالجة وتدوير للمياه، الملوثات الكيميائية والحرارة التي تطلق من محطة كهرباء المسيب الحرارية.

 

4-   الأعلاف المقدمة لهذه الأسماك حيث عادة تستخدم مخلفات المجازر والقصابة من أحشاء وأمعاء الحيوانات المذبوحة بعد أن يتم هرسها وتقطيعها وإعطائها للأسماك كعلف ...وما لهذا الفعل من ضرر صحي كبير ومخاطر بيئية على الأنهر.

 

5-  المعالجة الخاطئة لبعض مربي الاسماك المصابة بالمرض اذ تم استخدام من ادوية بيطرية غير مناسبة وباجتهادات شخصية وكانت النتائج عكسية حيث زادت الهلاكات الى نسب عالية جدا.  

 

الاجراءات

وهي عبارة عن معالجات فورية لمحاصرة الوباء كان اولها واهمها اجراء كشف اولي لمعرفة وتشخيص الوباء، اذ اثبتت الفحوصات الاولية ان النفوق الجماعي كان بسبب اصابة الاسماك بمرض التعفن البكتيري الحاد، ولا علاقة لها بتسرب مواد سمية كما اشيع في بعض القنوات الاعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي وانما اجراءات خاطئة من أصحاب الأحواض، كما ان قيام بعض اصحاب الاقفاص برمي الاسماك النافقة في النهر تسبب في تفاقم المشكلة واعاقة الجهود البيطرية للحد من عوامل التلوث، وعلى هذا الاساس اتخذت غرفة العمليات من قبل وزارة الزراعة المشكلة بتاريخ 30 / 10 / 2018 جملة من الاجراءات الفورية، كان اهمها:-    

 

1.  التوصية بإزالة جميع الاقفاص العائمة المتجاوزة وغير المرخصة، وإلزام المربين بالالتزام بالضوابط والمحددات البيئية ونظام التربية الصحيح وكذلك بفحص الأعلاف المستخدمة للاسماك من قبل دائرة الثروة الحيوانية.

 

2.  تشكيل 16 فرقة بيطرية في محافظة بابل تقوم بعمليات التحري عن المرض والرش للمشاريع المصابة.

 

3.  توفير 2500 كغم من المادة المعقمة في مخازن دائرة البيطرة مساء يوم الخميس 1/ 11/ 2018 

 

4.  ازالة الاسماك النافقة في نهر الفرات عند سدة الهندية بالاستعانة بمعدات من وزارة النفط والصحة والبيئة وباستخدام الشبِاك والزوارق والاحزمة المطاطية الحاجزة ونقل الاسماك النافقة ودفنها بإشراف دائرة البيئة في المحافظة.

 

5.  رش جميع الاقفاص بالمادة المعقمة كأجراء احترازي محافظة الديوانية وواسط وذي قار .

 

6.  توجيه وزارة الزراعة المحافظات جميعاً بتشكيل لجان عليا برئاسة المحافظ بموجب قانون الصحة الحيوانية رقم 32، وعضوية مدراء الصحة والبيئة، والزراعة، والشرطة، لبحث إمكانية معالجة تلك الكارثة وإيقاف تداعياتها.

 

7.  ايقاف عمليات بيع وشراء الاسماك النافقة بين المحافظات، وكذلك الزام اصحاب احواض الاسماك بضرورة الحصول على ترخيص من قبل الدوائر البيطرية.

 

8.  تشكيل لجنة برئاسة رئيس مجلس محافظة بابل وفق قرار مجلس الامن الوطني المنعقد يوم الاحد 4 تشرين ثاني 2018 لمتابعة تنفيذ القرارات المتعلقة واستنفار جهد الدولة في جمع الاسماك النافقة وطمرها للحفاظ على الأنهار والبيئة العامة من التلوث.

 

9.  زيادة الاطلاقات المائية في نهري دجلة والفرات للمساهمة في منع الاصابات.

 

النتائج والاثار

تؤكد وزارة الزراعة في بيانها بتاريخ 4 / 11 / 2018 باستحالة وجود مواد سمية ألقيت بفعل فاعل والحديث عن (مؤامرة)اصبح مستبعد بعد الكشف عن سبب نفوق الأسماك اذ لم تحدث اي إصابة بعد اتخاذ الاجراءات الفورية من قبل الفرق البيطرية والجهات الساندة الاخرى المذكورة اعلاه- ولغاية كتابة هذا التقرير في جميع المحافظات العراقية، تؤكد الدوائر البيطرية بانها نجحت في احتواء المرض والسيطرة عليه  في جميع مناطق الاصابة وخصوصاً في سدة الهندية بنسبة تفوق الـ90%.

 

من جانب آخر وكأجراء روتيني أرسلت وزارة الصحة والبيئة عينات من السمك النافق المكتب الاقليمي /فرع الشرق الاوسط التابع لمنظمة الصحة الحيوانية الدولية OIE،ومنظمة الصحة العالمية WHO في الاردن للإحاطة بأسباب الكارثة، ولأغراض التثبيت المرجعي ضمن الاتفاقيات الدولية لتي ينتمي اليها العراق منذ العام 1948 وحسب البروتوكول الصحي الدولي.

 

ومن ناحية اخرى، فالآثار المترتبة على هذا المرض تكمن في حديث قسم الصحة الحيوانية بأن الضرر تسبب بنفوق 5% فقط من مجموع انتاج العراق للثروة السمكية، اذ اصاب (200) قفص في مساحة 15 كم بسدة الهندية، ويقدر عدد الاسماك النافقة حوالي (4) مليون سمكة، ولا زال المرض يشكل ظاهرة لم يتحول الى (كارثة) في حال لم يتم معالجة مسبباته.

 

المعالجات

وللحيلولة دون تكرار الاصابة بهذا المرض، والحفاظ على بيئة صحية سليمة، فان هناك جملة من الاجراءات التي يستطيع مجلس النواب ابتداءاً القيام بها حسب اختصاصاه الدستوري في التشريع والرقابة، فضلاً عن اجراءات تخص الوزارات المعنية، ومنها:

 

اقتراح تشريع قانوني يقضي بتنظيم ومنع رمي المخلفات الصناعية ومياه الصرف الصحي في الانهار، كما حدث في الاردن، اذ اقر مجلس النواب الاردني قانون المواصفات والقياسات رقم 22 لسنة 2000، والقاضي باستخدام تقنية معالجة (الحمأة) اعتبارا من 17- 3- 2007 بموجب المادة 8 الفقرة (ب) من القانون المذكور.

 

2-  تشديد الرقابة على اجراءات وزارة الزراعة ووزارة الصحة والبيئة الخاصة بمنح الاجازات لتربية الاسماك وعدم الاكتفاء بمنح تراخيص شكلية وصورية دون فحص وكشف للواقع البيئي للبيئة المحيطة بالمشروع، وتشديد العقوبات على خرق الانظمة والتعليمات والضوابط الخاصة بتربة الاسماك والحفاظ على البيئة والصحة العامة.

 

3-  حث الحكومة الاتحادية على الطلب من تركيا بزيادة الاطلاقات المائية في حوضي دجلة والفرات.

 

4-  العودة الى مزارع الاسماك والاحواض المنفصلة عن ضفاف النهر.

 

5-   ضرورة الرقابة على الاعلاف والغذاء المقدم للاسماك من قبل الجهاز المختص بالمتابعة، والاعتماد على العلف الطبيعي من خضروات وحشائش ونباتات مائية لما لها من اهمية غذائية عالية للاسماك وللانسان.

 

6-  الشروع باستخدام تقنية بيولوجية وهى بكتريا التخمير او ما تسمى كرات طين ال اى امEM mud balls. ، لمعالجة هذه الظاهرة الخطيرة.

 

د.مصطفى الناجي اكاديمي وباحث

 

المصدر: العالم الجديد - د. مصطفى الناجي