ميدل إيست تايمز: حين يتحول المطر الى شماعة للفساد

تاريخ النشر 2018-11-30 23:35:13 أخر تحديث 2018-12-07 06:18:17 ميدل إيست تايمز: حين يتحول المطر الى شماعة للفساد

شهدت آخر عملية احتيال في العراق، لجوء البرلمان إلى إجراء تحقيق في كيفية تلف ما تعادل قيمتها 6 ملايين دولار من أوراق العملة المحلية التي كانت مخزنة في بنك عام بسبب المطر الغزير.

 

يعاني العراق، شأنه شأن الكثير من الدول العربية، من آفة الفساد على جميع مستويات الحكومة تقريباً. والكثير من الموظفين العموميين، من رجل الشرطة الذي يوجه حركة السير عند زاوية الشارع إلى مكتب أعلى سلطة في البلد، منفتحون على قبول الرشوة.

 

كل بضع سنوات نسمع عن حكومة جديدة يتم تشكيلها في العراق، ولبنان، وغيرهما من الدول العربية؛ حيث يتعهد رئيس الوزراء الجديد بمحاربة الفساد. وفي بعض الأحيان يتم خلق منصب وزاري للاضطلاع بالمهمة الحصرية المتمثلة في القضاء على الفساد. لكن قول ذلك أسهل بكثير من فعله. وهناك سببان أساسيان في أن الفساد والرشوة ينتشران بهذه الكثرة في العالم العربي.

 

لا يعني هذا القول أن الناس الذين في السلطة في البلدان الأخرى ليسوا فاسدين. ولننظر فقط في الثمن الذي تم تقاضيه ذات مرة من سلاح الجو الأميركي مقابل مواد سخيفة، مثل مقعد مرحاض أو فنجان قهوة.

 

مع ذلك، لا شيء يقترب من خيال المسؤولين العراقيين الفاسدين الذين يستطيعون أن يلقوا باللوم -بكل جدية- على المطر. والعراق بلد غني بالنفط، لكنه فقير عندما يتعلق الأمر بالخدمات التي يمكن أن تقدمها الدولة لمواطنيها. وأحد الأسباب الرئيسية هو الفساد الذي يشكل مصدراً دائماً للاحتجاجات التي لا تنتهي في بغداد والمدن العراقية الأخرى.

 

في بلد مبتلى بالفساد، يبدو أنه حتى المطر يمكن أن يلام على الفساد، كما يقول بعض العراقيين؛ حيث المطر له عقله الخاص، عقل إجرامي. ويمكنه أن يدخل إلى خزنات البنوك ويسرق مبالغ ضخمة من النقود.

 

من الواضح أن تبريرات الحكومة في هذه المسألة لا تنطلي على أحد. وقد اعتاد المواطنون على رؤية الساسة والموظفين العامين من كل المستويات وهم يجدون طريقهم للإفلات بالأموال العامة. وعندما لا يصدقون حجة مسؤول ويفقدون الثقة في الدولة، يخرج الناس إلى الشوارع، أو الأسوأ؛ يمكن أن يشرعوا في النظر إلى الحكومة على أنها عدو لهم.

 

لا يمكن أن يتوقع أحد من المواطنين المساكين في البلدان فاحشة الثراء أن يمنحوا صوت الثقة لحكامهم عندما تستمر الأوراق النقدية في الانجراف مع المطر.

 

وكانت أحدث حيلة -لأن هذا لا يمكن أن يكون سوى حيلة- هي إجراء البرلمان تحقيقاً في كيفية تلف ما تعادل قيمته 6 ملايين دولار من العملة المحلية المخزنة في أحد المصارف العامة سبب المطر الغزير.

 

عاودت هذه القصة الظهور إلى السطح مرة أخرى للتو، وتحطمت بذلك الآمال بين بعض المشرعين في أن تمر المسألة فحسب. ولكن، لم يكن لهم مثل هذا الحظ. وقد انجرفت هذه القضية لنحو خمس سنوات، لكنها لن تختفي.

 

قال علي محسن العلاق، الذين كان محافظ البنك المركزي في ذلك الوقت: "في نهاية العام 2013، غمرت المياه خزائن مصرف الرافدين بسبب الأمطار الغزيرة التي هطلت في ذلك الحين، والتي دمرت الأوراق النقدية التي كانت مخزنة هناك. كانت قيمتها تساوي 7 مليارات دينار (6 ملايين دولار)".

 

وقال إن البنك المركزي طبع أوراقاً نقدية جديدة لاستبدال تلك التي أتلفتها المياه، ولكن لأن تلك النقود لم تكن قيد التداول، فإن "الخسارة" الوحيدة الحقيقية كانت ثمن الطباعة. هل هو جاد؟

 

وقال عضو البرلمان هوشيار عبد الله من الحزب الكردي المناهض للفساد "غوران" وعضو اللجنة المالية للبرلمان: "قال محافظ البنك أن الأوراق النقدية (المتضررة) تم إتلافها، لكن هذه الإجابة غير واضحة".

 

وقال عبد الله لوكالة فرانس برس: "لدينا مخاوف من كيف دخل الماء إلى الخزنة. هذا الأمر مصدر شك بالنسبة لنا. وهو السبب في أننا سنجري تحقيقاً في هذا الموضوع في أسرع وقت ممكن".

 

أثارت القضية جدلاً في العراق. وكان الفساد، والشركات الوهمية، والموظفون العامون "الأشباح" الذين يتلقون أجوراً ولكنهم لا يعملون، قد كلفت العراق ما يعادل 228 مليار دولار منذ العام 2003، كما يقول البرلمان العراقي.

 

ويزيد هذا الرقم على الناتج المحلي الإجمالي للبلد، ويعادل ثلاثة أضعاف الميزانية تقريباً. وبذلك، ليس من المستغرب أن تكون منظمة الشفافية الدولية قد صنفت البلد باعتباره الدولة الثانية عشرة الأكثر فساداً في العالم.

 

ذكرتُ أن هناك سببين رئيسيين يجعلان الفساد يستشري في أي بلد. الأول هو أن الناس يعتقدون بأنهم يتلقون أجوراً أقل مما يستحقون، وبذلك يسمحون لأنفسهم بأخذ ما يعتبرونه حصتهم العادلة. والثاني، هو أن فكرة الفساد تكون مندغمة عميقاً في المجتمع حتى أن محاولة تصحيح المشكلة لا تنجح. وما ينبغي على السلطات عمله في هذه الأحوال هو أن تتخلى عن محاولة إصلاح الأجيال الأكبر سناً من الذين تربوا على فكرة أنه لا يمكن إنجاز أي شيء على الإطلاق من دون رشوة أحد ما، والتركيز على تعليم الشباب والأجيال المقبلة بطريقة مناسبة.

 

_______________________________________________________________

- كلود صالحاني: كاتب ومحلل سياسي أميركي متخصص في شؤون الشرق الأوسط وأواسط آسيا والإرهاب، والمحرر في "ميدل إيست تايمز"، وهو أيضا كاتب منتظم في "ذا أراب ويكلي"، نشر هذا المقال تحت عنوان: Blaming the rain for Iraq’s corruption وترجمته "الغد" الأردنية.

 

المصدر: بغداد - بهاء حداد