التونسي عمر الجمني لـ"العالم الجديد": نهلت من هاشم الخطاط وأوصي العراقيين بالحفاظ على مدرسته

التونسي عمر الجمني لـ"العالم الجديد": نهلت من هاشم الخطاط وأوصي العراقيين بالحفاظ على مدرسته

العالم الجديد - كوثر جبارة

لمع نجمه في تونس والعالم العربي منذ أكثر من ثلاثة عقود كواحد من أبرز الخطاطين المهتمين بإعادة إحياء الخط المغربي ذي الأسلوب "المبسوط" أي المبسط، فأنجز خط العملات النقدية التونسية، وحاز عضوية لجان ومراكز وجمعيات للخط العربي في كل من تونس والعراق والمغرب والجزائر ومصر والأردن، معترفا بفضل &q
...

لمع نجمه في تونس والعالم العربي منذ أكثر من ثلاثة عقود كواحد من أبرز الخطاطين المهتمين بإعادة إحياء الخط المغربي ذي الأسلوب "المبسوط" أي المبسط، فأنجز خط العملات النقدية التونسية، وحاز عضوية لجان ومراكز وجمعيات للخط العربي في كل من تونس والعراق والمغرب والجزائر ومصر والأردن، معترفا بفضل "أستاذه" الخطاط العراقي الرائد هاشم البغدادي عبر كراساته الفريدة.

 

حول متابعته لمسيرة الخط في العراق، ومشواره الفني الطويل، التقت "العالم الجديد"، الخطاط التونسي عمر الجمني، المولود في 1957، على هامش الدورة 22 لمهرجان الشارقة للفنون الإسلامية، الذي عقد مطلع العام الحالي، فكان معه هذا الحوار:

 

س/ ما هي خصوصية هذا المعرض وخصوصية أعمالك المعاصرة؟

ج/ استعملت الخط المغربي ذا الطابع التونسي في الكثير من الكلمات، وحاولت أن أخرج هذا الخط من الرفوف والورق إلى فضاء أوسع وأشمل، وأن أقدم هذا الحرف بشكل معاصر على مختلف التقنيات، فاستعملت الذهب على الجنفاص والأكريليك كذلك، والورق المقعر مع الأحبار الملونة؛ في أغلب الأعمال توصلت إلى فكرة السيطرة الكاملة على السورة القرآنية في شكل محدد، ذلك أننا كنا في السابق نرهب، ولا نعرف كيف نسيطر على السور الطوال، من الآية الأولى إلى الأخيرة، لكن في وقتنا الحالي صار الموضوع أكثر سهولة بسبب التكنولوجيا، التي حلت لنا هذه الإشكالية، وتركت لنا المساحة الإبداعية أكثر سعة، فصارت لدينا أدوات جديدة تساعدنا أكثر على الإبداع في المحتوى والصورة الفنية.

 

س/ ماهي الخدمة التي قدمتها التكنولوجيا لفن الخط العربي؟ هل صار تصميم اللوحة الكترونياً والتنفيذ يدوياً؟

ج/ القاعدة القديمة في التصميم هي ذاتها عوضتها التكنولوجيا، ففي السابق كانوا يحسبون الكلمات والأسطر وفق المساحة المعينة، لكن وفقاً للتكنولوجيا عندما نكتب السورة أو أي نص كان، بواسطته يمكننا التحكم بأي حجم نريد وبوقت قياسي قصير فنكسب بذلك المزيد من الوقت ونستغله في الإبداع، فالتكنولوجيا لها أدواتها التي تسهل الأمور التقنية ليبقى المجال واسعاً أمام الخطاط للإبداع، فتبقى القضية الإبداعية هي المسألة الرئيسة والأساسية عند الخطاط، فإن توفرت الآلة الإبداعية والأدوات لدى الفنان أو الخطاط فنكتشف ماذا يمكنه أن يقدم بها، فحلت بهذا مشكلة تصميم النص وتحولنا من إبداع إلى إبداع آخر، فعندما نكتب قصيدة كهذا العمل:

إليك إله الخلق أرفع رغبتى* وإن كنتُ- ياذا المنِّ والجود- مجرماً

ولَّما قسا قلبي، وضاقت مذاهبي*جَعَلْتُ الرَّجَا مِنِّى لِعَفْوِكَ سُلّمَا

نجد أن صورة القصيدة تعبر عن معناها، فعندما يتجه الإنسانى إلى الله تعالى في هذا الدعاء فإنه يقرأه كنص بداخله وهذه القراءة تتحول إلى حروف وتخرج وتتناثر وتصعد إلى السماء فهذه عملية التعبير التي أقصدها.

 

س/ إذن هي صورة بصرية وليست كتابة فقط، فهل التعبير البصري يكون باختيار نوع الخط أم الصورة العامة للتصميم فقط؟

ج/ نعم فن الخط ليس فقط كتابة فنحن نحاول أن نعبر بصرياً عن محتوى الكتابة. إذ عادة ما يختص الخطّاط بنوع من الخط، فهناك من يكتب الثلث والنسخ، وهناك من يكتب التعليق وجلي التعليق، كل خطاط يكتب نوعين أو ثلاثة أنواع وهناك من يكتب جميع الخطوط، فإن وجدنا أي حرف من الحروف أو خط من الخطوط عبر عن المعنى الذي نريده ويعكس بالضرورة محتوى النص فذلك نستعمله، حتى وإن كان ليس الخط الذي نكتبه، فأنا أكتب النسخ وأكتب الثلث، وأينما أجد ما يلبي رغبتي في التعبير فلا بأس أن أوضفه، فلا وجود لقاعدة معينة لتوظيف الخطوط للدلالة على المعاني وإنما الموضوع معتمد على وجهة نظر الخطاط.

 

Image

س/ أرى أعمالك في هذا المعرض خارجة عن السياقات المعروفة، فنحن تعودنا كمتلقين أن نرى لوحات الخط بالريشة أو القصبة على ورق، لكن عندك وجدنا الألوان والمواد المختلفة كالحبر الملون والجنفاص والذهب والأكريليك، فهل يمكنك ان تحدثنا عن خروجك عن تلك السياقات التقليدية؟

ج/ الخط المغربي والتونسي والخط في دول المغرب العربي بصورة عامة هو خط قابل للتكيف هو خط لين جداً، نبذل فيه جهداً كبيراً ليستطيع المتلقي اكتشاف الإبداعات الموجودة فيه، فلا أقول انه بعكس الخطوط الأخرى، لكن الخط المغربي يستجيب ربما لما لا تستجيب له الخطوط الأخرى وفق قواعد كلاسيكية، لذلك وددت إضفاء شكل خاص بمنطقة المغرب العربي، لذلك ركزت على هذا الخط، فالخط في المشرق العربي اشتغل الكثيرون عليه، على الرغم من أنه لا يزال هناك الكثير من الافكار التي لم يتطرق لها المشارقة، وأنا املك بعضا منها، لكن الحاجة الفنية تدعوني للاهتمام بالخط المغربي، والعمل على تطويره لكونه هو مكاننا في الساحة العالمية، ولابد له من أن يكون موجوداً كمنطقة، فالمشرق العربي لديه خطوطه المعروفة، والآن في المغرب العربي صار لدينا خطوط، بفضل مجموعة من الخطاطين.

أنا كطرف من الأطراف كان عندي مساهمات متواضعة لتقديم هذا النوع من الخط للمشارقة لاستيعابه جماليا وفق القواعد المعمول بها.

 

س/ بما انك استعملت الألوان فهل هي موظفة سابقا في الخط العربي ومالذي دفعك لاعتماد الألوان في تنفيذ لوحاتك؟

ج/ يعبر اللون عن السعادة والاستبشار ولاسيما إن كانت الألوان متجمعة، فهي بهذا تعبر عن ما في داخل الفنان أو الخطاط الذي بدوره يعبر عما في مشاعر الآخرين، فأنا عندما أعرض لوحات الخط المكتوبة بالحبر الملون أجد اهتمام الكثير من المتلقين ولاسيما النساء، لانها تستهويهم وتجلبهم، ولذلك أرى أن مهمتي في هذا الجانب قد آتت أُكُلها، فتوظيف الألوان في اللوحة جذبت المتلقين وجذب جمهوره الخاص، وهذا إيجابي، فالألوان تعبير عن السعادة في الحياة وفيها جماليات تشرح الصدر والنفس، والزائر عند اطلاعه على اللوحات تنشرح نفسه، وأرى أن جزء من وظيفتنا كخطاطين بث الانشراح والسعادة من خلال النص ومن خلال التركيبة الفنية للأعمال ومن خلال الألوان.

 

س/ ما لاحظته بصورة عامة في أعمال ومعارض مهرجان الشارقة للفنون الإسلامية أن غالبية الأعمال التي عرضت هي أعمال تفاعلية يدخل المتلقي لعالمها، فكيف كان تفاعل المتلقي مع أعمالك هل أثر فيه توظيف الألوان والأشكال والخطوط، أم ان لديك طريقة أخرى تحقق بها هذا الهدف؟

ج/ كانت عندي فكرة سابقا ومشروع سابق أعمل على الاشتغال عليه، لكنني عندما أتيت إلى معرض الشارقة بصراحة، صُدمت صدمة إيجابية، لأن الأعمال التي رأيتها وضعتني عند حدي، فالأعمال المشاركة هنا تضع الخطاط في مكانه الحقيقي، فتجعله يقيم نفسه من خلال ماعرض، وبالتالي دفعتني لأن أخرج بدافع آخر، وتفكير مغاير، كي أواكب الأخوة الفنانين، فالكثير من الأعمال التي رأيتها هنا تسلب العقل. وتجعل الانسان يفكر في مصيره الإبداعي، ويستوحي الكثير من الأفكار من الأعمال التي عرضت في المتحف حتى التي لاعلاقة لها بالخط العربي بصورة مباشرة، لكنني رأيتها حروفاً ورأيتها خطوطاً استلهمت منها بعض الافكار، لربما إن مر عليها بعض الوقت أستطيع التعبير عما في خلدي من خلال ماعرض من تقنيات هنا، ليس بالضرورة بالطريقة نفسها، لكن الاستفادة وقعت هنا، من خلال اكتشاف أننا يمكننا استعمال أية مادة تقع أمامنا أو تعترضنا لإنتاج عمل إبداعي، هذا الدرس الذي أخذناه من هذا المعرض لم نجده حتى في الأكاديميات.

 

س/ هل هذا من منطلق شعار المهرجان (المدى)؟

ج/ كلمة (المدى) هي شعار صادق للمهرجان، فالمدى لاحدود له، فالمواد التي تكونت منها معروضات تلك المعارض لاحدود لها، قد تستغرب تنوعها وتعددها لذلك عندما رأيتها وقفت مشدوها وحددت موقعي ازاء ما أرى فاصبحت مطالباً بمزيد من الإبداع، أسعى إليه بإذن الله في الدورات الأخرى من المهرجان. وأحاول تحقيق المستحيل، فلكل إنسان مستحيلاته الخاصة، شرط أن أجد الدعم. كذلك أرى أننا تعلمنا أن نفكر بطريقة مختلفة من خلال هذا المهرجان بعيداً عن الطريقة الكلاسيكية. ولذلك أود أن أقدم –بمناسبة الحديث عن المعرض – شكري العميق على هذه الفكرة وهذه التخصصات المختلفة والمتعددة التي تجعل من الخطاط يفكر ويراجع مداركه الفنية.

 

س/ بعيداً عن معرض الشارقة للفنون أود سؤالك حول رؤيتك لمستقبل فن الخط العربي وهل سيصل الى حد معين ويتوقف تطوره أم أنه من الممكن أن يصل لحدود لم تخطر مسبقاً على بال أحد؟

ج/ فن الخط العربي مثله مثل الحياة، فالحياة عبارة عن قوس يرتفع وينخفض، فنحن عشنا بالمرحلة الكلاسيكية ومررنا بيها قبل مايقارب 20 سنة، بعدها صار الخط يأخذ منعرجا آخر في أساليب التعبير من الكتابات نفسها لتطوير الكتابات نفسها، لننتقل إلى مواد أخرى متعددة يحاول الخطاط من خلالها التعبير عما يريد قوله بأقصى طريقة، ويبسّط مايريد قوله للجمهور، لنصل بعد ذلك إلى قمة معينة، وهكذا دواليك كما هي مسيرة الحياة التي أراها عبارة عن تقوسات صعود ونزول.

ومع هذا أقول: لابد ولابد ولابد من الحفاظ على الطابع الكلاسيكي، وتدريس الخطوط الكلاسيكية، بوصفها المادة الأساسية التراثية التي لايجب التخلي عنها أبداً، فلو تخلينا عنها ينتهي فن الخط وتبقى دائماً مادة باستيحاء التراث وإعادة تشكيل النصوص وفقاً للعصر الذي نعيش فيه.

Image

 

س/ هل يمكنك أن تحدثنا عن تجربتك الشخصية وعن معارضك السابقة، خاصة وانت لك باع طويل جداً في مجال الخط العربي، وعن تجربتك في العراق وبغداد، فماهي أبرز محطات الجمني وماهي أهمية محطة بغداد؟.

ج/ قبل أن أتجه لكتابة الخط المغربي كنت أكتب خط الثلث والنسخ والديواني والجلي ديواني، فأنا من تلاميذ المرحوم (هاشم البغدادي)، لأن كراسته انتشرت في الوطن العربي جميعاً في أوائل الثمانيات، ولم تكن آنذاك  كراسات الخط شائعة ومعروفة إلا كراريس هاشم، بحيث صار المدرسة الأساسية التي تعلمنا فيها الخطوط وأكلنا بفضلها الخبز، فأنا أترحم على هذا الرجل مع كل نقطة كتبتها وكل حرف كتبناه، فالرجل أدى رسالته جعلها الله له في ميزان حسناته ورحمه وغفر له.

بعدها شاركت في مهرجان المغرب الذي أقيم سنة 1990 في العديد من المعارض في اليابان والصين والكويت والسعودية والإمارات، وأتمنى أن تسنح لي فرصة المشاركة في ملتقى من الملتقيات التي تقام في العراق لأستعيد ذكرى عشتها طوال 11 يوم هناك.

ذكرى طيبة جداً، إذ كانت التجربة في أول معرض أقيم في بغداد مباشرة بعد مسابقة إرسيكا (وهي مسابقة دولية يقيمها مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية في أسطنبول بتركيا)، حيث قال العراق إن جمعت "ارسيكا" الخطاطين من خلال مسابقة، فالعراق يجمع الخطاطين جميعا في بيته "بغداد"، فكان المهرجان الأول المسجل تاريخيا بالمحاضرات والصور، ولازلت أحتفظ بعدد منها مع أسماء مهمة انتقل بعضها إلى رحمة الله تعالى، ولا زلت أرتبط بعلاقة أخوية مع بعضهم، مثل (روضان بهية داود) و(جاسم النجفي) و(فاضل شهاب الخطاط) ومجموعة من الخطاطين المبدعين.

 

س/ أخيرا، هل أنت مطلع على تجارب الخط العراقية الحديثة؟ وأين تراها في خارطة فن الخط العربي حاليا.

ج/ نعم، أنا مطلع عليها ولدي فكرة متكاملة عن أعمال الأخوة الخطاطين العراقيين المعاصرين، وأرى أنهم لازالوا في الطابع الكلاسيكي، محافظين على خط الثلث، رغم أني لدي بعض الاعتراض البسيط عليهم، ذلك أنهم خرجوا عن القاعدة البغدادية لهاشم البغدادي، صحيح أن هاشم البغدادي هو من تلاميذ (حامد الآمدي) و(سيد ابراهيم)، ولكن العراق له طابعه الخاص، ومن الضروري الحفاظ عليه، وإنشاء مدرسة للحفاظ على هذا الأسلوب، لأن العراق هو من يملك خط (الثلث) و(النسخ) وغيرها، فلابد من أن يحافظ الخطاطون الجدد على الأسلوب العراقي بالدرجة الأولى ثم يمكنهم التحول إلى أساليب أخرى كالتركية، فالمهم الانطلاق من الطابع العراقي، فالطابع العراقي ليس متوقفاً عند هاشم البغدادي، وإنما نجده عند (ابن البواب) وعند (ياقوت المستعصمي) موجود عند (الوزير علي بن مقلة) فلابد للخطاط العراقي من أن يستلهم المدرسة القديمة، لأنها مدرسة رائعة جداً ولست أدري إن كانوا قرأوا لها أو اطلعوا عليؤها بعيون معاصرة، لذلك أنا أنصح بكل تواضع ومحبة الخطاطين العراقيين بكل أطيافهم الذين اشتغلوا على أفكار عديدة واشياء بديعة، لكن يؤلمني نوعاً ما غياب المدرسة العراقية، فأنا أريد أن أرى المدرسة القديمة وإحيائها بطريقة معاصرة لكي يعود للعراق الوجه الحقيقي الذي كان يملكه سابقا فلا نستطيع أن نقول أن خط الثلث تركي، صحيح أن الأتراك  ابدعوا فيه لكن الملكية الأصلية له تر جع للعراق، هذا أمر تاريخي، فعلى الخطاط العراقي ان ينهظ بخطوط أجداده ابتداءا من الوزير ابن مقلة، فالعراق من المراجع الفنية التي يمكن  الاعتماد عليها وتدريسها وإعادة تطويرها وهذا الذي  يجب أن يقع.

 

أخبار ذات صلة