"مسرح الشارع".. تجربة ساهمت التظاهرات بـ"تنميتها" في ذي قار 

"مسرح الشارع".. تجربة ساهمت التظاهرات بـ"تنميتها" في ذي قار 

ذي قار – العالم الجديد

"مسرح الشارع" فعالية ثقافية نمت بفعل التظاهرات التي تشهدها المحافظات الجنوبية وخصوصا ذي قار، رغم انطلاق هذا النوع من الفعاليات قبل قرابة 3 أعوام، لكن معوقات عدة تحول دون انتشارها بشكل واسع، أبرزها انعدام الشوارع الثقافية.   ويقول الناقد المسرحي إسماعيل الياسري، في حديث لـ"العا
...


"مسرح الشارع" فعالية ثقافية نمت بفعل التظاهرات التي تشهدها المحافظات الجنوبية وخصوصا ذي قار، رغم انطلاق هذا النوع من الفعاليات قبل قرابة 3 أعوام، لكن معوقات عدة تحول دون انتشارها بشكل واسع، أبرزها انعدام الشوارع الثقافية.

 

ويقول الناقد المسرحي إسماعيل الياسري، في حديث لـ"العالم الجديد"، إن "مسرح الشارع أحيانا يكون ارتجاليا، ومرة يعتمد على النص الكتابي في أداء الأدوار، ولا يعتمد على ديكور أو أزياء محددة، بل على جسد الممثل بالدرجة الأساس".

 

ويضيف الياسري، أن "هذا النوع من المسارح ليس كما يشاع بأنه (مسرح تحريضي)، بل ربما يكون سياسيا او ثقافيا او دينيا توجيهيا، يتم تقديمه في أي مكان سواء في المقهى، في الشارع، في السوق".

 

من جانبه، يقول الممثل والأكاديمي ميثم هاشم، في حديث لـ"العالم الجديد"، إن "مسرح الشارع هو نوع مغاير وجديد ورائج جدا في بلدان العالم، رغم أنه حديث الظهور، إلا أن جذوره قديمة جدا هو أشبه بمحاولة للرجوع بالمسرح إلى بداياته وظهور الشكل المسرحي كفن درامي وشكل فني يقدم الحكاية والقصة والمشهد المؤثر باستخدام تقنية الجسد والصوت والعرض والرسالة المباشرة بين الفنان والمتلقي، وهو مختلف ومغاير عن مسرح العلبة، التي تعد الشكل المسرحي السائد المعتمد على وجود قاعة عرض مخصصة للمسرح، أما مسرح الشارع فهو يتخلى عن مجموعة من الادوات والعناصر المسرحية الأساسية التي يتعامل بها المسرح والتي تجمع بمفردة (السينوغرافيا)، وهذه المفردة تشمل التقنيات المسرحية مثل الإضاءة والديكور والخشبة والارتفاع الذي يقدم عليه العرض، كذلك يجرد من الكثير من التقنيات المشابهة كاستخدام تقنيات الحبال والمنصات العالية".

 

ويتابع أن "مسرح الشارع يأخذ كل فعاليته وموضوعاته والقصة من الشارع ومن مواضيع الناس، وهذه هي الفكرة الاساسية من اقامة تجارب مسرح الشارع، حيث تكون مختلفة لأن العروض معدة مسبقا والفترة بين إعداد العرض وفترة المهرجان تكون بعيدة وهذه النقطة مغايرة في أسلوب مسرح الشارع، الذي يكون حاضرا من خلال الحدث، لذا فان وجود مسرح الشارع مرتبط جدا بصخب وقوة الأحداث بالشارع في اي بلد ومدينة، حيث أن أي حدث قوي يكون سببا لتقديم عرض مسرحي من عروض مسرح الشارع، بأسلوب مسرحي يضيف عليه اللمسة الفنية والأداء المعبر ويحفز الناس على التفاعل، لذلك نراه حاضرا في الثورات والاحتجاجات والتظاهرات، فمثلا إن تظاهرات العراق كانت قد شهدت عروضا في ساحة التحرير والحبوبي بشكل يومي".

 

وينوه هاشم، الى أن "شحة الشوارع الثقافية وقلة مراكزها ونشاطاتها هو السبب الرئيس في اختفاء هذا الحدث، أي لا يمكن أن تقدم هذا العرض بشوارع مزدحمة بالسيارات او مزدحمة بالبنايات، ولا يمكن أن يقدم بها هذا العمل لعدة أسباب طبعا، فالعرض يقدم في الشوارع الثقافية وفي الساحات الرئيسية والعراق يفتقر لهذه الأماكن، باستثناء شارع المتنبي في بغداد، هناك عروض مستمرة وعروض أسبوعية من مسرح الشارع وفي شارع الفراهيدي  في البصرة، وفي الشوارع الثقافية التي أقيمت في بعض المحافظات واختفت مثلا في كربلاء والناصرية وقضاء سوق الشيوخ لعدم وجود الدعم لها".

 

ويشير هاشم الى ان "الامر مرحلة تراتبية، فلا يمكن للناس أن تتفاعل مع لون فني جديد من دون أن تكون له أرضية، ففي الجنوب مثلا توجد الدواوين والساحات والوقفات الشعرية وإلقاء الأشعار في الساحات والوقفات، هذا يمكن أن يكون أرضية لتقديم العروض المسرحية واستثمار تفاعل الناس في هذه المساحة، وتقديم مسرح الشارع، ويتنوع هذا المسرح من خلال حمله طابعا شعريا مثلا في الأماكن التي يكون فيها رواج كبير للشعر، او التي تحمل طابعا دينيا في الأماكن المقدسة اثناء الزيارات وتقديم عروض (مسرح الشارع) للزوار والسواح والتي تحمل تاريخ وقصص عن المكان".

 

وتأسست في محافظة ذي قار فرقة (جذور الطيب) المسرحية والتي تهتم بأمور ونشاطات مسرح الشارع، حيث يحدثنا مدير الفرقة عمار الحجامي، قائلاً "تجربة مسرح الشارع تجربة مميزة جدا لفرقة جذور الطيب المسرحية، حيث يتكون لديك إحساس جميل انك تخرج عن الإطار المسرحي المألوف وجغرافيته وخشبته إلى الشارع والساحات والحدائق وفي الأماكن الفارغة، وتملئ هذه الأماكن بمسرحيات ارتجالية، الإحساس حينها لا يوصف".

 

ويتابع في حديث لـ"العالم الجديد" أن "المسرحيات كانت ناجحة وقدمنا الكثير من الأعمال ووجدنا أنفسنا أننا حققنا شيئا مميزا جدا، عندما تترك خشبة المسرح وتذهب الى الجمهور وتتواصل معه وتشاهد إن جميع الناس بدون حجز أماكن أو تفضيل شخص على اخر وبدون دعوة".

 

ويبين الحجامي، أن "من مميزات مسرح الشارع انه رسالة ثقافية، وهو ارتجال فني يحاكي الحياة اليومية وظهرت الكثير من العروض المسرحية الإنسانية التي تمس تكوينات المجتمع ويقودنا الحديث الى استعراض أهمية الشارع في إبراز فن المسرح الارتجالي، حيث نجد فيه الأزياء البسيطة وفق مساحات غير محددة تختلف عن المساحات المحددة على جغرافية المسرح التقليدي، فالمسرح هناك مقدمة ووسط ونهاية المسرحية لكن في مسرح الشارع دون حدود".

 

ويلفت إلى أن "الجمهور تفاعل مع مسرح الشارع، بسبب ان الحوار مباشر مع الجمهور"، مؤكدا ان "عروض الفرقة شملت 10 محافظات عراقية بتقديم اكثر من 6 عروض مسرحية مختلفة".

 

ويوضح ان "هناك الكثير من الاختلافات بين مسرح الشارع والمسرح التقليدي من حيث جغرافية المسرح والحركات التي يعطيها المخرج التي تكون محددة، فضلا عن الفكرة والالتزام بالنص المسرحي، إضافة إلى إن مسرح الشارع ارتجالي لا يعتمد على جغرافية المكان وتتحرك بفضاءات فارغة أما المسرح التقليدي ينحصر بمكان اي قاعة مسرحية (خشبة) وستارة".

 

وحول المعوقات بمسرح الشارع، يوضح الحجامي ان "المعوقات التي تعترض مسرح الشارع والتي لا يمكن حصرها  من جهة محدودية سقف الحريات التي تحد من الخطاب العام، وهناك مشاكل تنظيمية وقانونية مثل ترخيص الفضاءات الموجودة"، مبينا ان "المسرح هو لجميع الناس رغم ما يوجد من مونولوج داخلي للشخصية من خير وشر وحب وسلام واهم القضايا التي يتناولها مسرح الشارع من ضمنها هموم الفقراء وما يحدث في الحياة اليومية، ورغم ذلك ان هذا المسرح مهمش".

 

ومنذ 2018، انطلقت حركة "مسرح الشارع" في ذي قار، وفي عام 2019 وخلال فترة التظاهرات، نظمت الكثير من اعمال مسرح الشارع التي حاكت واقع المتظاهرين وتعرضهم للعنف، وامتدت الحركة لتشمل عمال النظافة ايضا، الذين بادروا في مطلع 2020 الى تجسيد مشاهد تمثيلية في الشارع لنقل واقعهم وللتوعية من فيروس كورونا، خلال فترة تفشيه الاولى.

 

يذكر ان محافظتي البصرة وواسط، شهدتا ايضا تأسيس فرقتي "مسرح شارع" عام 2018، وقدمتا الكثير من العروض، وخاصة في البصرة، فقد تزامن تأسيس الفرقة مع تظاهرات كانت تشهدها المحافظة احتجاجا على سوء الخدمات، قبل ان تنطلق تظاهرات تشرين الاول اكتوبر 2019، التي شملت 10 مدن عراقية وتحولت الى اعتصامات مفتوحة فيما بعد، وسقط خلالها قربة 600 قتيلا و25 الف جريح، نتيجة للقمع المفرط الذي استخدمته القوات الامنية.