الأزمات تحاصر الطفل العراقي.. والحكومة "تتفرج"

الأزمات تحاصر الطفل العراقي.. والحكومة "تتفرج"

بغداد – العالم الجديد

كان الوقت يقارب منتصف الليل حين كانت طفلة متسولة لا تتجاوز العاشرة، تتجول في أحد شوارع منطقة الكرادة وسط بغداد، وهي تتوسل بالمارة للحصول على مبلغ من المال، في ظاهرة باتت تشكل مصدر إزعاج للأهالي.   وحين حاول مراسل "العالم الجديد"، معرفة سبب تواجد هذه الطفلة في الشارع ومن الذي يقف ورا
...

كان الوقت يقارب منتصف الليل حين كانت طفلة متسولة لا تتجاوز العاشرة، تتجول في أحد شوارع منطقة الكرادة وسط بغداد، وهي تتوسل بالمارة للحصول على مبلغ من المال، في ظاهرة باتت تشكل مصدر إزعاج للأهالي.

 

وحين حاول مراسل "العالم الجديد"، معرفة سبب تواجد هذه الطفلة في الشارع ومن الذي يقف وراء دفعها إلى الشارع في هذا الوقت المتأخر، كانت إجابتها "صادمة"، إذ أخبرته بأن أمها طلبت منها الذهاب للتسول، بهدف "جمع مبلغ للحصول على بيتزا من أحد المطاعم".

 

أما بخصوص التحاقها بالمدرسة، فقد نفت كليا ذلك، وأكدت بأنها تعرف القراءة والكتابة لكنها تركت صفوف الدراسة بشكل نهائي، وهو ذات الأمر الذي تكرر مع حسين ذي الـ12 عاما، والذي يعمل في محل لصيانة السيارات.

 

يقول حسين لمراسل "العالم الجديد"، وهو يفك إطارات سيارة ببراعة لا تناسب عمره الصغير، إنه يعمل مع والده منذ عامين في أعمال بسيطة داخل المحل، ليتطور في المهنة تدريجيا، لافتا إلى أن "العمل في هذا السن يضمن مستقبلي بالحصول على مهنة تمكنني من إعالة أسرتي المستقبلية، فالمدرسة مضيعة وقت".

 

يشار إلى أن تقريرا مشتركا صدر عن منظمة العمل الدولية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، قبل أيام أشار إلى أن عدد الأطفال العاملين في أنحاء العالم خلال السنوات الأربع الماضية بلغ 160 مليون طفل، حيث زاد عددهم 8.4 ملايين طفل عامل.

 

وفيما يخص العراق، أكد التقرير أن الأطفال يشكلون الغالبية من حوالي 4.5 ملايين عراقي من المعرضين لخطر الفقر بسبب تأثير النزاع وجائحة كورونا، وأن طفلا واحدا من كل طفلين وبنسبة 48.8 بالمائة يواجه اشكالا متعددة من الحرمان سواء في التعليم أو الصحة أو ظروف المعيشة، أو الأمن المالي.

 

الى ذلك، يوضح عضو مفوضية حقوق الإنسان فاضل الغراوي خلال حديث لـ"العالم الجديد"، أن "النسبة التي ذكرتها اليونيسف قريبة للواقع في ظل ارتفاع معدلات الفقر ووجود كم هائل من الأطفال العاملين في الأسواق".

 

وينوه الغراوي، إلى أن "المشكلات الاقتصادية القائمة وعدم وجود الموارد الكافية لتغطية نفقات الأسر، وراء زج الأطفال في سوق العمل وتسربهم من المدارس"، مبينا أن "حقوق الطفل في العراق تراجعت كثيرا بفعل العمالة الشاقة التي لا تناسب أعمار الأطفال وذات الأجور البخسة".

 

وكان الجهاز المركزي للإحصاء، كشف في 2019 أن العام الدراسي 2017 – 2018، هو أكثر الأعوام تسرباً للطلبة من المرحلة الابتدائية، حسب إحصائية أجراها على جميع المحافظات، واتضح أن أغلب المتسربين من المدارس الابتدائية دون سن 15 عاما، بواقع 131 ألفا و368 طالبا، نسبة الاناث منهم 47 بالمائة، فيما كان عدد المتسربين للعام الدراسي 2016 – 2017 هو 126 ألفا و694 طالبا.

 

من جانبه، يبين الخبير القانوني علي التميمي خلال حديث لـ"العالم الجديد"، أن "قانون العقوبات العراقي في المواد 390 و391 و392 عاقب المتسولين بالحبس البسيط والغرامات، أو إيداع الأطفال في دور الدولة إذا تكرر إرغامهم على التسول من قبل ذويهم".

 

ويشير التميمي، إلى أن "التمعن في النصوص سابقة الذكر يقود إلى أنها أجازت التسول لمن لا عمل له"، مبينا أن "قانون الاتجار بالبشر رقم 28 لسنة 2018 يعاقب بالحبس أو الإعدام أو دفع غرامات تتراوح بين 5 و10 ملايين دينار بحق المتورطين بالاتجار بالبشر".

 

ويبدي اتفاقه مع الرأي القائل بأن تسخير الأطفال للتسول يعد نوعا من أنواع الاتجار بالبشر، موضحا أن "قانون رعاية الأحداث العراقي رقم 76 لعام 1983 يحتاج إلى تعديل بهذا الجانب لمعالجة مشكلة الطفولة التي تحتضر في العراق".

 

وتعج طرقات وتقاطعات العاصمة بغداد بعشرات المتسولين من الأطفال والصبية والفتيات، وأعدادهم ترتفع بصورة مستمرة، من دون أن يكون هناك أي رد فعل حكومي تجاه تنامي هذه الظاهرة.

 

وكان رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي قال في 23 اذار مارس الحالي، "شخّصنا عصابات تستغل قضايا إنسانية أبشع استغلال من خلال التسوّل ووجهنا وزارة الداخلية متابعة الموضوع ومعالجتها وملاحقة هذه العصابات وتقديمها أمام القانون"، وفي ذات اليوم أصدر مجلس الوزراء توصية لوزارتي الداخلية والعمل والشؤون الاجتماعية لمعالجة الظاهرة، لكن لغاية الىن لم تعالج هذه الظاهرة.

 

الى ذلك، يلفت الباحث الاجتماعي أحمد الذهبي في حديث لـ"العالم الجديد"، إلى أن "الطفولة في العراق تعاني من حرمان وقتل واغتصاب بشتى الأشكال"، موضحا أن "أكثر من 48 بالمئة من الأطفال يعيشون الحرمان من أبسط الحقوق ومقومات العيش حتى على مستوى لقمة العيش ورغيف الخبز".

 

ويضيف الذهبي، أن "هناك عجزا حكوميا في تقديم المساعدة والرعاية للأطفال، ففي كل مرحلة نلاحظ انهيارا في التعليم والتثقيف، وترتفع نسبة الأمية بين الأطفال"، مؤكدا أن "الحكومة تتحمل بالدرجة الأساس مسؤولية موضوع عمالة الأطفال، وكذلك يتحملها الأكاديمي والمتخصص والمؤسسات".

 

وينص قانون التعليم الإلزامي في العراق رقم 118 لسنة 1976، النافذ لغاية الان، على: أن يعاقب بغرامة لا تزيد عن 100 دينار، ولا تقل عن دينار واحد، أو بالحبس لمدة لا تزيد عن شهر واحد، ولا تقل عن أسبوع واحد، أو بكلتيهما، ولي الولد المتكفل فعلا بتربيته، إذا خالف أياً من احكام هذا القانون.

 

وقد نص القانون أيضا على إن إدارات المدارس الابتدائية تقوم بحصر حالات التخلف عن التسجيل، بموجب القوائم المعلنة لديها وما يطرأ عليها من التعديل، بالاضافة او الحذف، وتتخذ الاجراءات لابلاغ اولياء الاولاد وحثهم على تسجيلهم وعلى انتظام دوامهم والحيلولة دون تسربهم عن الدراسة، ولابلاغ الجهات المسؤولة عن مراقبة الدوام، ومديرية التربية المختصة.

 

أخبار ذات صلة