20 عاما على الحرب.. المستوى الخدمي في ظل زيادة السكان للضعف

استكمالا لملف “العالم الجديد” بمناسبة مرور 20 عاما على بدء حرب عام 2003، تتناول الصحيفة…

استكمالا لملف “العالم الجديد” بمناسبة مرور 20 عاما على بدء حرب عام 2003، تتناول الصحيفة في هذا التقرير، الملف الخدمي المتمثل بالكهرباء والتعليم والصحة، وكيف أثرت المرحلة السابقة على هذه القطاعات، في ظل الزيادة السكانية بنحو الضعف عما كانت عليه في النظام السابق، ما لم يقابلها اهتمام حكومي بمستوى الخدمات المقدمة.

ويرى الباحث التربوي فالح القريشي، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “ملف التعليم في العراق مر بثلاث مراحل، كانت المرحلة الذهبية فيه إبان العهد الملكي وعهد عبد الكريم قاسم، إذ وصل عطاء المعلم إلى أوجّه وانعكس على المجتمع، مع وجود مناهج رصينة بمقابل مستوى الطالب الذي كان جيدا جدا”.

ويضيف القريشي أن “مفهوم التعليم تغيّر بعدها بحلول حزب البعث المنحل على سدة الحكم، حيث أصبحت للتعبئة السياسية مساحة كبيرة في هذا القطاع، حتى انخرط المعلمون والطلاب عنوة في التنظيم الحزبي والمشاركات الحربية التعبوية”.

ويتابع القريشي متحدثا عن المرحلة الثالثة: “بعد سقوط النظام انخفض مستوى التعليم أيضاً، لأن الموازنات الحكومية لم تسخر لخدمة البنى التحتية إذ ضربها الفساد، فالعراق الآن يعاني نقصاً بحوالي 20 ألف مدرسة، إضافة إلى كثرة تعطيل الدوام بسبب ما مرّ من احتجاجات وأزمات آخرها فيروس كورونا”، لافتا إلى أن “العقل السياسي العراقي غير منشغل بالتعليم قدر اهتمامه بالمكاسب والمناصب، وكل ذلك أدى إلى تدهور التعليم”.

وكان الجهاز المركزي للإحصاء، كشف في 2019 أن العام الدراسي 2017-2018، هو أكثر الأعوام تسربا للطلبة من المرحلة الابتدائية، بحسب إحصائية أجراها في جميع المحافظات، واتضح أن أغلب المتسربين من المدارس الابتدائية دون سن 15 عاما، بواقع 131 ألفا و368 طالبا، نسبة الإناث منهم 47 بالمئة، فيما كان عدد المتسربين 126 ألفا و694 طالبا للعام الدراسي 2016-2017.

وينص قانون التعليم الإلزامي في العراق رقم 118 لسنة 1976، النافذ لغاية الآن، على أن يعاقب بغرامة لا تزيد عن 100 دينار، ولا تقل عن دينار واحد، أو بالحبس لمدة لا تزيد عن شهر واحد، ولا تقل عن أسبوع واحد، أو بكلتيهما، ولي الولد المتكفل فعلا بتربيته، إذا خالف أيا من أحكام هذا القانون المتعلقة بانتظام الطالب في دوامه المدرسي.

وقد نص القانون أيضا على أن تقوم إدارات المدارس الابتدائية بحصر حالات التخلف عن التسجيل، بموجب القوائم المعلنة لديها وما يطرأ عليها من التعديل، بالإضافة أو الحذف، وتتخذ الإجراءات لإبلاغ أولياء الأولاد وحثهم على تسجيلهم وعلى انتظام دوامهم والحيلولة دون تسربهم عن الدراسة، ولإبلاغ الجهات المسؤولة عن مراقبة الدوام، ومديرية التربية المتخصصة.

ومن المشاكل التي تواجهها المدارس في العراق، هي الاكتظاظ وعدم وجود مبان كافية وقلة التجهيزات الأساسية مثل مقاعد الجلوس، وقد انتشرت مؤخرا في مواقع التواصل الاجتماعي، فيديوهات كثيرة من داخل بعض المدارس في الوسط والجنوب، تكشف عن عدد الطلاب الكبير في القاعة الدراسية الواحدة وخاصة الأول الابتدائي، مع عدم وجود مقاعد الجلوس وافتراش الطلبة للأرض.

الكهرباء

في سياق آخر، يتحدّث خبير الطاقة محمد هورامي، لـ”العالم الجديد”، عن ملف الكهرباء وهو أحد أكثر الملفات تعقيدا بعد 2003، إذ يقول إن “إحصائية بعدد السكان واحتياجاتهم للكهرباء في عام 2003 بالمقارنة مع الاحتياجات حالياً ستكشف أن الطلب ازداد كثيرا، فالأجهزة المنزلية والطبية والآلية أغلبها تعتمد على الكهرباء ولهذا ازداد الطلب على الطاقة مع زيادة عدد السكان، بالمقابل لم تتم الاستفادة من الغاز المصاحب الذي يساهم في عملية تشغيل المحطات، وهذا ما جعل وضع الطاقة الكهربائية رديئا ولا يصل إلى الطموح”.

ويضيف هورامي أن “المقارنة لا يمكن أن تتم بين هذين العصرين، فالدولة قبل 2003 استخدمت أسلوب القوة، أما الآن فالحكومات للأحزاب، فمثلا أن موظف الكهرباء لا يستطيع أن يجمع الجباية أو يحاسب المتجاوزين على الشبكة الوطنية بسبب ضعف الدولة، ما يفاقم تردي الشبكات، وفي المقابل لم يتم تطويرها”.

ويلفت خبير الطاقة إلى أن “الطاقة الكهربائية في العراق منذ العام 2003 ولغاية اليوم، لم تشهد تحسنا ملحوظا، وفي كل صيف تتجدد التظاهرات في مدن الوسط والجنوب، احتجاجا على تردي تجهيز الطاقة من دون أي حلول شاملة”.

كما أن ملف الكهرباء أثار الجدل خلال إقرار الموازنة الاتحادية لعام 2021، حيث تضمنت تخصيصات “كبيرة” لصيانة المحطات، وبحسب أحد النواب، فقد تم رصد “هدر كبير” بأموال الصيانة منذ عام 2005 ولغاية العام الماضي، وهو ما تكرر في مشروع قانون موازنة العام الحالي، حيث تضمنت قروضا لتطوير محطات توليد الكهرباء.

وتعاني أغلب المحطات الكهربائية في العراق من التقادم، حيث لجأ العراق إلى استيراد الطاقة الكهربائية من إيران، فضلا عن استيراد الغاز لتشغيل المحطات الكهربائية، وحصل بصورة دورية على استثناء من العقوبات الأميركية المفروضة عليها لاستمرار الاستيراد.

ومؤخراً، توجهت الحكومة إلى إبرام عقود مع شركتي سيمنز الألمانية وجنرال إلكتريك الأمريكية، لتطوير الكهرباء في العراق، ومن المفترض أن تباشر الشركتان العمل بعد إتمام الإجراءات الرسمية، لتضاف هذه العقود إلى سابقة مشابهة وقعت خلال السنوات الماضية ولم تنفذ بشكل تام.

الصحة

ولا يبدو أن الملف الصحي، أفضل حالا من الكهرباء، إذ يؤكد مدير الصحة العامة في محافظة كركوك صباح نامق، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “النظام الصحي يتماشى مع النظام السياسي للبلد، فما قبل العام 2003 تأثر الملف بالحصار الاقتصادي والظروف الصعبة وعدم توفر الأدوية مع تردي الوضع في المستشفيات، أما بعد عام 2003 فقد أثر عدم الاستقرار السياسي والأمني ودخول تنظيم داعش إلى بعض المحافظات، في عدم تطور هذا القطاع”.

ويشير نامق إلى أن “زيادة السكان فاقمت من الأوضاع، فقد ازداد سكان العراق بحدود 18 مليون نسمة منذ سقوط النظام السابق، وهذه الزيادة لم تقابلها زيادة في عدد المستشفيات والأطباء الأخصائيين والمراكز الصحية، قد يكون هناك تقدم، لكنه نسبي”، مؤكدا أن مثل “هذا التقدم لا يواكب دول العالم الأخرى وهذا ما أخرنا منذ ثمانينات القرن الماضي عن التطور العالمي في مجال التقنيات والصحة وعلم الطب”.

ويتابع أن “هذا التأخير يجعل المريض الذي يمتلك القدرة المادية يسافر إلى خارج العراق للعلاج”، لافتا إلى “عدم وجود مستشفيات جديدة توازي الاحتياج الحالي فالمستشفيات قديمة والبنايات متهالكة ورغم ما يتم إنفاقه عليها لكنها تحتوي الكثير من النقص والخلل”.

يشار إلى أن الواقع الصحي في العراق يعاني من مشاكل عدة، بداية من تقادم المستشفيات وعدم تأهيلها، إضافة إلى الإهمال في الجوانب الخدمية والسلامة وعدم توفر الأدوية، وكانت آخر فاجعة صحية في العراق، هي الحريق الذي اندلع في مستشفى الحسين بالناصرية مركز محافظة ذي قار، بسبب انفجار قنينة أوكسجين، ما أدى إلى مقتل نحو 100 مريض بفيروس كورونا، وذلك عقب حريق آخر اندلع في مستشفى ابن الخطيب الخاص بمرضى كورونا في العاصمة بغداد، وأودى أيضا بحياة قرابة 100 شخص، وذلك في العام 2021.

وبين أحد الأطباء الأخصائيين في العاصمة بغداد، في حديث سابق لـ”العالم الجديد”، أن المؤسسة الصحية في العراق لم تتم متابعتها منذ العام 1962 في حين أن المنظومة الصحية في بريطانيا تقوم بعمل متابعة لنظامها كل عامين، وعلى سبيل المثال أن مستشفى القادسية في مدينة الصدر الذي يغطي حوالي أكثر من مليوني نسمة يضم خمسة أطباء اختصاص باطنية فقط، في حين كان لدينا سنة 1989، نحو 13 طبيبا أخصائيا.

وكانت “العالم الجديد” نشرت تقريرا تحدث عن خسائر متتالية عانتها شركة سامراء العراقية الواقعة في محافظة صلاح الدين، وهي أقدم شركة أدوية في الشرق الأوسط، إذ عزا خبراء بالاقتصاد وأطباء ذلك إلى الفساد وسيطرة شركتين جديدتين على السوق، والتوجه للاستيراد من أجل “العمولات”، فيما ردّت وزارة الصحة بأن نوع العلاج الذي تنتجه الشركة، لا يغطي كافة الاحتياجات.

إقرأ أيضا