أرقد بسلام أيها المدافع الشرس عن الحقيقة

رقد بسلام بين أسرته في الساعات الأخيرة من عام 2023، أحد أهم الصحافيين الاستقصائيين الشجعان في العالم المعاصر. وكأن قدر جون بيلجر يحول دون رؤية تباشير العام الجديد 2024.

إلا أن أسرته نعته باحتفاء وفخر بعد أن توفي في لندن عن 84 عامًا وقالت “سيُحتفى بعمله الصحافي والوثائقي في مختلف أنحاء العالم، لكن بالنسبة إلى عائلته كان ببساطة أروع أب وجد وشريك”.

تكمن شجاعة جون بيلجر الأسترالي الذي عاش معظم حياته في بريطانيا، بصوته الصحافي المدوي بوجه أولئك الذين صادروا الحرية لحسابهم، ودفاعه الشرس عن الحقيقة، كان صوت من لا صوت له، ويمكن أن نجد ذلك بما تركه لنا في مدونته الصحافية بدعمه لمؤسس موقع “ويكيليكس” جوليان أسانج وبتناوله تبعات حكم بول بوت في كمبوديا، مرورا بموقفه الأخلاقي ضد احتلال العراق والتجاهل المنهجي للجرائم المرتكبة ضد الإنسانية في بلاد النهرين وإبادة الفلسطينيين.

كان شجاعًا وهو يقول بصوت واضح إن الديمقراطية أصبحت نظرية الآن، فهناك النخبة القوية للشركات المندمجة مع الدولة. فمثلا يتقاضى توني بلير ملايين الدولارات من بعض الحكومات العربية (…) مقابل تقديم “المشورة الفارغة” بدلًا من أن يحاسب على الجرائم التي ارتكبها مع جورج بوش في العراق، ثم قيامه بتحويل حزب العمال إلى كومة من القش الذي تذروه الرياح.

في آخر مقال له قبل أشهر قليلة من وفاته عرى سياسة الولايات المتحدة بصوته المتماسك، فقد دخلت أمريكا في حرب مع العالم. وفقاً لتقرير تم تجاهله إلى حد كبير، من قبل منظمة أطباء من أجل المسؤولية الاجتماعية، ومنظمة أطباء من أجل البقاء العالمي، ومنظمة الأطباء الدوليين لمنع الحرب النووية الحائزة على جائزة نوبل، فإن عدد القتلى في “حرب أمريكا على الإرهاب وفق ذريعتها” كان على الأقل 1.3 مليون شخص.

دافع بيلجر على المعلومات الواردة في هذا التقرير بفيلم وثائقي كتبه وأخرجه بعنوان “كسر الصمت: الحقيقة والأكاذيب في الحرب على الإرهاب” بقوله: على الأقل قُتل مليون شخص في العراق، كما يقول الأطباء، أو خمسة في المائة من عدد سكان العراق.

ويبدو أن فداحة هذا العنف والمعاناة ليس لها مكان في الوعي الغربي “لا أحد يعرف عدد القتلى” هكذا تردد وسائل الإعلام.

بلير وجورج بوش وديك تشيني وكولن باول ودونالد رامسفيلد وجون هوارد وآخرون، لم يكونوا أبدًا في خطر الملاحقة القضائية لما ارتكبوه من جرائم في العراق.

بعد احتلال العراق 2003 بأسابيع قام جون بيلجر بتصوير مقابلة في واشنطن مع تشارلز لويس، الصحفي الاستقصائي الشهير.

سأله: ماذا لو كانت وسائل الإعلام الأكثر حرية دستوريًا في العالم قد تحدت بجدية بوش ورامسفيلد وحققت في مزاعمهما الكاذبة بشأن أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها العراق، بدلاً من نشر ما تبين أنه مجرد دعاية فظة؟

أجاب لويس “لو قمنا نحن الصحفيون بعملنا، هناك احتمال كبير جدًا أن الولايات المتحدة وبريطانيا لم تكن قد ذهبتا إلى الحرب في العراق.”

طرح السؤال نفسه على دان راذر، مذيع شبكة “سي بي إس” الشهير، وحصل منه على نفس الإجابة. وديفيد روز من صحيفة الأوبزرفر، الذي روج لـ “تهديد” صدام حسين، وراجي عمر، مراسل “بي بي سي” في العراق آنذاك، أجمعا على نفس الإجابة. إن ندم روز المثير للإعجاب لأنه تم “خداعه” لم يتكرر مع العديد من المراسلين الذين فقدوا شجاعتهم في قول ذلك.

كان بيلجر يعد نموذج الصحافة الاحترافية التي تجعلنا نشعر بالخجل من التغطية الصحفية الجبانة والاتهامية لما يطلق عليها وسائل الإعلام العامة في بريطانيا والولايات المتحدة. إن مفهوم “بي بي سي” للموضوعية والحيادية والذي يعنى تضخيم أكاذيب وأساطير السلطة يعد ممارسة لما تتباهى به هيئة الإذاعة البريطانية اليوم في تغطيتها حرب الإبادة التي تشنها “إسرائيل” على غزة بينما تتغاضى عن جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل بحق النساء والأطفال الفلسطينيين.

بالنسبة للقرن الحادي والعشرين فإن احتيال سلطة الشركات المتنكرة في صورة ديمقراطية يعتمد على “دعاية الإلهاء”، وفق تعبير بيلجر، وإلى حد كبير على غرس ثقافة “الأنا” المصممة لتشويه شعورنا تجاه الآخرين وبالتفاعل معهم وبالعدالة الاجتماعية وبالأممية.

يكتب بيلجر “الطبقية والعرق أصبحتا عوامل تفكيكية وأصبح الفرد هو محور الرسالة الإعلامية والسياسية. يتم ترويج الامتياز البرجوازي على أنه سياسات تقدمية، بيد أن الأمر لم يكن كذلك ولن يكون. إنه ترويج للامتيازات والسلطة”.

يمكن أن يتعرف القارئ العربي على القيمة الإعلامية المخلصة لجوهر الحقيقة التي يمثلها بيلجر، بما كتبه عن إسرائيل، فقد مر سبعون عامًا تمت التغطية فيها على الجريمة التي ارتكبت في فلسطين، في الوسط السياسي والثقافي في الغرب. أو أصبحت في أحسن الأحوال قضية جدلية.

يقول “الصحفيون المأجورون يقبلون بلهفة الزيارات التي تنظمها الحكومة الإسرائيلية لهم وبحسن الضيافة والتملق ومن ثم أصبح هؤلاء الصحفيون عدوانيين في تذرعهم بالاستقلالية. لقد تم صك مصطلح (المغفلون النافعون) من أجل هؤلاء”.

ويكتب “في كل الدول التي تم استعمارها فإن السيادة الحقيقية للسكان الأصليين يخشاها أولئك الذين لا يستطيعون على الإطلاق التغطية على جريمة وتزييف حقيقة أنهم يعيشون على أرض مسروقة”.

وكتب قبل سنوات “ما يغضب أولئك الذين يستعمرون ويحتلون ويسرقون ويقمعون ويخربون ويدنسون وينتهكون أن يرفض الضحايا الخضوع. وهذه تحية ينبغي علينا جميعًا أن نوجهها إلى الفلسطينيين الذين يرفضون الخضوع ويمضون قدمًا. إنهم ينتظرون حتى يقاتلوا مرة أخرى. وهم يفعلون ذلك حتى عندما ينسق الذين يحكمونهم (السلطة الفلسطينية) مع جلاديهم”.

إذا كانت كل الجرائم التي ترتكب بحق الفلسطينيين، هي قصص مألوفة ودائمة بالنسبة لهم. لكن السؤال بالنسبة لبيلجر: لماذا هذه القصص غير مألوفة في لندن وواشنطن وبروكسل وسيدني؟

عندما قابل جون بيلجر، نيسلون مانديلا وهو يركز على جملته التاريخية “إن فلسطين هي القضية الأكثر أخلاقية في عصرنا هذا” ذكر في كتابه “الفصل العنصري لم يمت” كيف صاغ مانديلا الأمر بهذه الطريقة: نحن نعرف جيدًا أن حريتنا لن تكتمل دون حرية الشعب الفلسطيني.

ويتساءل “لماذا يتم قمع هذه الحقيقة يومًا بعد يوم وشهرًا بعد شهر وعامًا بعد عام؟

ويقول “إن كلمة النزاع تساعد على هذا الصمت وجعلت الناس يرددون مصطلح النزاع العربي الإسرائيلي بشكل آلي. وعندما يشير صحافي مخضرم في (بي بي سي) وهو رجل يعرف الحقيقة، إلى روايتين هنا يصبح التشويه الأخلاقي مكتملا”.

أقرأ أيضا