العراق: فخ الأزمة المالية في توقعات صندوق النقد الدولي (2024-2029)

من الذي يبحث في مستقبل الاقتصاد الوطني: صندوق النقد الدولي أم السلطة الحاكمة؟ ويصح التساؤل أيضاً: من المسؤول عن تفاقم الأزمات الاقتصادية والمالية والنقدية الراهنة: صندوق النقد الدولي أم السلطة الحاكمة أم كلاهما؟ تسهم هذه المقالة في إيضاح هذه التساؤلات.  

أولاً: ليست خافية أو غامضة أهداف السياسة الاقتصادية الجاري تنفيذها منذ عام 2003 برعاية وشروط صندوق النقد الدولي، أحد أبرز مؤسسات الرأسمالية بصيغتها “الليبرالية الجديدة” المُهَيْمِنَة في النظام الاقتصادي العالمي. وليست خافية أو مبررة، النتائج الكارثية لهذه السياسة في تفاقم الأزمة الاقتصادية الهيكلية والمالية والنقدية وآثارها الاجتماعية والسياسية والبيئية البالغة السوء، كما في الحقائق التالية: الفشل في تَقييدْ توسع الإنفاق الاستهلاكي الحكومي المُفرَط وتدفق الاستيرادات المتزايدة وتحرير التحويلات الخارجية للاستثمار في الخارج بتمويل (تبديد) إيرادات “ريع” صادرات النفط الخام، والفشل في تأمين الاستقرار النقدي والتحكم في ارتفاع الأسعار بشلل أسعار الفائدة وارتفاع السيولة النقدية الهائلة، وتفكك نظام الصرف الأجنبي بفساد مزادات العملة، وانشطار أسعار صرف الدينار مقابل الدولار، وتردي النظام المصرفي بنزعة المضاربة وغياب الائتمان المُنتِجْ، وضآلة الاستثمار في مشاريع توسيع الطاقات الإنتاجية القادرة على المنافسة[1].

ثانياً: في الوقت الذي تنتشر بين المؤسسات والأوساط الاقتصادية والمالية والتجارية في العالم توقعات “الصندوق” عن المؤشرات الاقتصادية والمالية والنقدية الرئيسة التي تشير صراحةً وضمناً إلى استمرار الحكومة في سياساتها الاقتصادية “الخطيرة” خلال السنوات (2024-2029)، بالدرجة التي تؤدي إلى تفاقم الأزمة المالية والنقدية وتكريس الأزمة الاقتصادية الهيكلية المزمنة، تتجاهل الحكومة (وزارة المالية ووزارة التخطيط والبنك المركزي) إبداء الرأي في هذه التوقعات “السلبية” بنشر بيانات ومعلومات أو تصريحات تخالفها أو تصححها. وبغياب رأي الحكومة في صحة هذه التوقعات، تُفيد الإشارة، بل التساؤل الجاد، عن حقيقة المشاورات الدورية بين الحكومة وبعثة “الصندوق” بموجب المادة الرابعة من اتفاقية التعاون بينهما، ومنها التي حصلت في العام 2024، حيث جمع فريق “الصندوق” المعلومات الاقتصادية والمالية المعدة من الوفد الحكومي وتمت مناقشتها مع المسؤولين عن سياسات التنمية الاقتصادية[2].

ثالثاً: نعلم أن تقديرات “الصندوق” المستقبلية، دائمة التغيير وبسرعة تناسب تقدير الصندوق للظروف الاقتصادية والمالية والسياسية في العراق، كما في غيره. وللدلالة، نشير للتباين بين توقعات الصندوق المنشورة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، وبين التوقعات الجديدة المنشورة في نيسان/أبريل 2024. وفي هذا السياق، يجب الإيضاح، بأن هذه التوقعات تُعَدُ باستخدام نموذج للتنبؤ بتطور مؤشرات الاقتصاد الكلي الرئيسية في المدى القصير والمتوسط، ويضم مجموعة من المعادلات الرياضية التي تعبر عن العلاقات المتبادلة بينها بفرضيات اقتصادية، أهمها: تأمين الاستقرار المالي في الاقتصاد الوطني (توازن نفقات وإيرادات الموازنة المالية للدولة) والاستقرار النقدي (سلامة الائتمان المصرفي ونظام الصرف الأجنبي). على أن تطبيق هذا النموذج التقليدي في البلدان النامية والناهضة والصناعية الرأسمالية، ليس مناسباً في حالة العراق لافتقاده فرضية تأمين (أو شرط) الزيادة في الاستثمار الضروري ليس فقط في إقامة مشاريع البنية الأساسية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، بل وأيضاً، لإحداث التنويع الاقتصادي الهيكلي بإقامة مشاريع الصناعات المتقدمة تكنولوجياً والقادرة منتجاتها للمنافسة في الأسواق المحلية والخارجية بهدف تقليل الاختلال الاقتصادي الهيكلي الناشئ من الاعتماد الكبير على صادرات النفط الخام. وللعلم، لا ينشر “الصندوق” الصيغة الرياضية وفرضيات وبيانات النموذج، مما يسمح للمراقب التحفظ في فرضيات ونتائج النموذج. والسؤال هنا، أين مسؤولية وزارة التخطيط والبنك المركزي العراقي في مجال إعداد نماذج التنبؤ بفرضيات تناسب خصائص الاقتصاد الوطني في المدى القريب والمتوسط؟

رابعاً: للأهمية، يجب التأكيد على أن مستويات ومعايير إنفاق “ريع” صادرات النفط الخام تكشف عن أبرز العوامل في الأزمات الاقتصادية الهيكلية والمالية والنقدية الراهنة، وبتغييرها المناسب، يمكن معالجة هذه الأزمات في المستقبل. ولذلك، نلحظ “الخطأ” في نصائح “الصندوق” الدائمة للحكومة بزيادة إنتاج وتصدير النفط الخام من أجل زيادة الإيرادات النفطية المتزامنة مع تحرير الاستيرادات والتحويلات الخارجية، وفي حالة الفائض منها استثمارها في الأسواق المالية من خلال الصناديق السيادية[3]. هذه نصائح تجد، وللأسف، من الحكومة الحالية، وكما الحكومات السابقة، الترحيب والحماسة.  والأهم، أن الاستمرار بالسياسة الاقتصادية “الليبرالية الجديدة” مع زيادة الإنتاج بهدف زيادة إيرادات صادرات النفط الخام لتمويل الإنفاق الاستهلاكي المُفْرَطْ، يناقض ضرورة العمل (الغائب) بالاستراتيجية الاقتصادية المستقبلية بدمج السياسة النفطية في إطار السياسات الاقتصادية: حيث يجب، ومن أجل المستقبل الاقتصادي المزدهر، تحديد الإنتاج الأمثل للثروة النفطية، ليس بالمعايير التجارية والمالية الآنية، بل الأكثر أهمية بمتطلبات تنفيذ أهداف النمو في القطاعات الاقتصادية من جهة، وأن يُحَدِدَ الإنتاج الأمثل للثروة النفطية العلاقة مع نظام الصرف الأجنبي في تحديد أسعار الصرف للدينار الثابت مقابل الدولار أو مقابل سلة من العملات أو المرن من جهة ثانية[4].  

خامساً: في مراجعة التوقعات المنشورة (التفاصيل في الجدول المرفق)، نبدأ أولاً بعرض تطور الإيرادات النفطية خلال السنوات الست القادمة لبيان مقدار تأثيرها، سلبياً أو إيجابياً، في مجالات الأزمة المالية حيث تشير توقعات “الصندوق” المنشورة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، أن قيمة الإيرادات من صادرات النفط الخام ستبلغ نحو 600 مليار دولار خلال السنوات الست (2024-2029) والتي احتسبت بفرضية أن معدل كمية إنتاج النفط السنوية تبلغ نحو 4,5 مليون برميل في اليوم، وأن كمية صادرات النفط السنوية تبلغ نحو 3,5 مليون برميل في اليوم، بينما يقدر معدل أسعار النفط بنحو 79 دولار للبرميل الواحد.

في مقابل هذه الإيرادات الضخمة، فإن المؤشرات المالية في توقعات الصندوق تشير إلى التالي:

  • تزايد عجز الموازنة المالية الاتحادية وبصورة مستمرة من نحو 20,204 مليار دولار في عام 2024 إلى نحو 43,530 مليار دولار في عام 2029. وليس واضحاً في التوقعات، قيمة الأموال المخصصة للنفقات الجارية (الاستهلاك) وقيمة الأموال المخصصة لتمويل الاستثمار في مشاريع مُنْتِجَة.
  • تزايد عجز الحساب الجاري وبصورة مستمرة من نحو9,552 مليار دولار في عام 2024 إلى نحو 30,252 مليار دولار في عام 2029. ومن غير الواضح في هذه التوقعات، مصدر هذا العجز فيما إذا كان برصيد الميزان التجاري أو رصيد ميزان المدفوعات أو رصيد كليهما.
  • تزايد إجمالي الدين العام وبصورة مستمرة من نحو128,152 مليار دولار في عام 2024 إلى نحو 299,219 مليار دولار في عام 2029. وبمراجعة تقديرات “الصندوق” المنشورة في العام الماضي، كانت قيمة الدين العام الخارجي 55,1 و58,3 و62,2 في السنوات 2023 و2024 و2025، يمكن الاستنتاج العام بأن قيمة إجمالي الدين العام الداخلي تزيد بثلاثة أضعاف قيمة الدين العام الخارجي، وهو نتيجة العجز الكبير المتوقع في الإنفاق الحكومي للسنوات (2024-2029).       
  • انخفاض نسبة الادخار في الناتج المحلي الإجمالي وبصورة مستمرة من نحو 10,233 % في عام 2024 إلى نحو 4,510 % في عام 2029. ومع فائدة دلالة هذا المؤشر في اقتصاد مستقر، إلا أنه لا يعبر عن واقع انهيار السياسة المالية والنقدية الكلية الحكومية (بإدارة وزارة المالية والبنك المركزي)[5] والمتمثل بالسيولة النقدية العالية المكتنزة خارج النظام المصرفي التي تراكمت لدى أثرياء الفساد واستثمارها في شراء وتشييد العقارات التي ارتفعت أسعارها، لاسيما البيوت السكنية، بمعدلات خرافية لا يمكن للمواطنين امتلاكها، وزيادة هذه الأصول المالية من خلال استغلالها بمشاريع مقاولات التشييد والتجهيزات الحكومية والمشاريع التجارية والخدمية الترفيهية.   
  • والمثير في هذه التوقعات، أن نصيب الفرد من زيادة الناتج المحلي الإجمالي سترتفع من نحو 5979 دولار في عام 2024 إلى نحو 6825 دولار في عام 2029[6]، أي تحقيق زيادة قدرها 846 دولار فقط خلال ستة سنوات، بينما من المتوقع أن يتم إنفاق نحو 600 مليار دولار من الإيرادات النفطية خلال هذه السنوات[7].

جدول المؤشرات الاقتصادية والمالية الرئيسية بتوقعات صندوق النقد الدولي[8](يمكنك تحريك المؤشر إلى اليمين واليسار لمشاهدة الجدول بالكامل):

المؤشرالقيمة2023202420252026202720292029
الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية *مليار دولار254,416265,894278,811292,147307,465325,197345,074
حصة الفرد في الناتج المحلي الإجمالي**دولار5870597961116241640165996825
الادخار من الناتج المحلي الإجمالي *%16.45310.2339.0577.3186,3835,1964.510
العجز في الموازنة الماليةمليار دينار4,186.74126,264.62531,894.74439,081.45645,906.45651,416.21156,588.458
العجز في الموازنة المالية ***مليار دولار3,22120,20424,53430.06335,31239,55143,530
إجمالي الدين الحكومي العاممليار دينار147,833.242166,597.867197,992.611236,574.476281,980.931332,897.143388,985.601
إجمالي الدين الحكومي العام ***مليار دولار113,718128,152152,302181,980216,908256,075299,219
إجمالي الدين الحكومي العام في الناتج المحلي الإجمالي%44,15348,19754,62662,29170,54778،74586,712
رصيد الحساب الجاريمليار دولار6,5909.55214,09419,56722,88326,91030,252
إيرادات النفط ****مليار دولار89,84999,538101,538102,000102,000102,000102,000
يشير اللون الأحمر إلى القيم السالبة لرصيد مؤشرات العجز في الموازنة المالية وإجمالي الدين العام ورصيد الحساب الجاري (الميزان التجاري وميزان المدفوعات) خلال السنوات 2023-2029.
* تسهم القيمة المضافة لقطاع استخراج النفط بنحو 40% و60% في قيمة مؤشر الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة والجارية. ولذلك، لا يعبر المؤشر بدقة كافية عن النمو الاقتصادي الحقيقي المتمثل بتوسع الطاقات الإنتاجية في بقية القطاعات الاقتصادية.
  ** في حالة العراق، لا يعبر إطلاقاً عن مؤشر دخل الفرد أو متوسط مستوى المعيشة لسبب واضح هو الإسهام الكبير للقيمة المضافة لقطاع النفط في الناتج المحلي الإجمالي.
* يعبر عن الرصيد المالي للفرق بين إجمالي الدخول المتاحة للفرد ولأصحاب الأعمال والشركات وللدولة وببن إجمالي الإنفاق الاستهلاكي النهائي، ويدل على إمكانية استثمار هذه الأموال في زيادة الأصول المالية أو الأصول الإنتاجية.
*** تم تحويل الدينار إلى الدولار بسعر الصرف الرسمي 1300 دينار للدولار. علماً، أن بعض التداولات التجارية والتحويلات الخارجية، لا سيما منذ تشرين الأول/ أكتوبر عام 2022، تتم بأسعار الموازية المسجلة في الوقت الحاضر بنحو 1500 دينار للدولار.
**** قدرت الإيرادات النفطية للسنوات 2026-2029 بفرضية استقرار الطاقة الإنتاجية بمعدل (4.77) وكمية الصادرات بمعدل (3,69) مليون برميل في اليوم (لسنة 2025)، وافتراض معدل أسعار النفط 80 دولار للبرميل، كما وردت في تقديرات صندوق النقد الدولي للسنوات 2023-2025 التي نشرت في تشرين الأول/أكتوبر 2023.
حرك المؤشر إلى اليمين واليسار لمشاهدة الجدول

الهوامش:

[1] سبق وأن تناولنا وأسباب ومظاهر الأزمة الاقتصادية في دراسات عديدة، أنظر على سبيل المثل: صبري زاير السعدي، “الأزمة الاقتصادية المزمنة في العراق والمشروع الاقتصادي الوطني البديل”، العدد 513 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021 مجلة “المستقبل العربي” الصادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان. وعن العوامل السياسية في الأزمة الاقتصادية، أنظر: صبري زاير السعدي، ” نعمة الثروة النفطية ونقمة السياسة الاقتصادية وأزمة الاقتصاد السياسي للمحاصصة في العراق”، العدد 519 أيار/مايو 2022 مجلة “المستقبل العربي”، الصادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان.

[2] أنظر تقرير مناقشة بعثة الصندوق في العراق:

IMF, IMF Staff Concludes Staff Visit to Iraq, 2024 Article IV Consultation – press release; staff report; and statement by the executive director for Iraq, May 2024.

(https://www.imf.org/en)

[3] نلحظ هنا في رفض الصندوق “الضمني” لالتزام العراق بقرارات أوبك بلس (OPEC Plus) الخاصة بتخفيض الإنتاج.

[4] أنظر: صبري زاير السعدي، “الإنتاج الأمثل للثروة النفطية في العراق” العدد 530 نيسان/أبريل 2023، مجلة “المستقبل العربي”، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان.

[5] كان يجب تأهيل تقديرات “الصندوق” المتوقعة لمعدلات التضخم المتدنية بواقع السيولة النقدية العالية التي تزيد على 90% من إجمالي الإصدار النقدي والمتاحة لدى ثلة من أثرياء الفساد والمستلبة من خلال الإنفاق الحكومي المُفرَطْ (الموازنة المالية السنوية)، ومن فساد مزادات العملة والمضاربة بأسعار صرف الدينار وقروض البنك المركزي، ومن قرارات الحكومية ببيع مِلكية الأراضي العامة وتغيير استخداماتها. هذه الأموال المكتنزة خارج النظام المصرفي الذي يتصف بعقم الائتمان والمتهم بفساد المضاربة بأسعار صرف الدينار مقابل الدولار المتعددة.

[6] في تقديرات قابلة للمقارنة لحصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي مع بقية الدول، يحتل العراق يحتل المرتبة المتدنية 147 من بين 224 دولة.

[7] تفيد الإشارة هنا، في شهر آذار/ مارس 2024، بلغت قيمة احتياطيات البنك المركزي العراقي 109,153 مليار دولار، وكان إجمالي احتياطي الذهب 132.7 طن. المصدر: البنك المركزي العراقي.  

[8] IMF, World Economic Outlook, April 2024, Iraq’s database.

أقرأ أيضا