جردة حساب.. أين ذهبت أموالنا؟ (9-10)

ملف وزارة الكهرباء (الجزء الثاني)

هذا البحث جزء من كتاب أحاول إنجازه قبل نهاية هذا العام، ولأني أخشى أن لا أستطيع إكماله -كغيره من مشاريع الكتب السابقة- لأسباب مختلفة، ولأن ما وجدته من معلومات حول التخصيصات المالية لمختلف الوزارات والمحافظات والمؤسسات العراقية أثار ذهولي وإستغرابي وإستيائي من الطبقة السياسية التي أدارت البلد بعد 2005، آليت أن أشارك القراء الأفاضل ما اكتشفته، ليعلموا حجم الأموال التي أهدرت والتي لم يعرفوا مصيرها على مدى عقدين من الزمن.

من الجدول في الجزء الأول من ملف الكهرباء الذي نشر قبل ايام في هذه الصحيفة، نجد أن إجمالي مبالغ الزيادات في النفقات التشغيلية منذ سنة 2016 ولغاية سنة 2023، عن معدل النفقات التشغيلية للسنوات من سنة 2011 ولغاية سنة 2016، يبلغ أكثر من (39 ترليون الف دينار) ويساوي تقريباً (27 مليار دولار بالسعر المحلي للدولار عند كتابة هذا المقال). هذه الزيادة غير المبررة وحدها تكفي لإنتاج (52 الف ميغا فولت أمبير) بالسعر الذي تعاقدت فيه مصر مع شركة سيمنز لإنتاج 14,500 ميغا فولت أمبير بمبلغ ستة مليارات يورو، وليس بالسعرالذي يتحدث به موظفون كبار في وزارة الكهرباء. وبهذه المناسبة أود أن أشير إلى بعض “الهفوات” الكارثية في تعاقدات وزارة الكهرباء العراقية السابقة مع كل من شركتي سيمنز وجنرال الكتريك.

في شهر كانون الاول من عام 2008 وقع وزير الكهرباء العراقي حينها كريم وحيد وبحضور رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي عقداً مع شركة جنرال الكتريك لتجهيز العراق ب 56 وحدة توليد طاقة كهربائية تستخدم أنواعاً متعددة من الوقود بقيمة مليارين و800 مليون دولار. وكانت طاقة الوحدة التوليدية التصميمية 125 ميغا واط بإجمالي 7000 ميغا واط.

وفي ذات الشهر(كانون الاول) 2008 وقع ذات الوزير وبحضور رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي عقداً مع شركة سيمنزبقيمة مليار و909 مليون دولار لتجهيز العراق بـ16 وحدة توليد كهربائية تبلغ طاقتها الإجمالية التصميمية 3190 ميغا واط.

تم التعاقد مع الشركتين على وفق “القدرة التصميمية” التي تختلف عن القدرة الفعلية المنتجة، ولو أجرى “المتعاقد العراقي” بحثاً عن كفاءة التوربينات الغازية على محرك غوغل -مثلاً- لظهرت له نتائج تشير إلى أن كفاءة التوربينات الغازية تساوي 36.2% من القدرة التصميمية. وهذا أمر يفترض أن يكون معروفاً لكادر الوزراة الذي برر نقص القدرة الفعلية المنتجة، بأن التوربينات التي تم التعاقد عليها تعمل على الغاز- هذا ما ردده بعدها كل رؤساء الوزراء اللاحقين- فيما تعمل الآن-وقتها- على نوع آخر من الوقود!، وفي الحقيقة فإن كل التوربينات الغازية المتعاقد عليها مصممة فعلاً للعمل على أنواع متعددة من الوقود غير الغاز، لكن تغيير نوع الوقود المستخدم في التشغيل لا يقلل الكفاءة أكثر من 7% من قدرة التوليد -هذا في حالة إستخدامنا للنفط الأسود كوقود، وهو أسوأ أنواع الوقود- ولكن يستخدم هذا العذر لتبرير خطأ مقصود-أو غير مقصود- في التعاقدات.

وليس معلوماً لماذا تم التعاقد مع كلا الشركتين لـ(تجهيز توربينات) وليس لتجهيز ونصب وتشغيل التوربينات اي “إنشاء محطة إنتاج كهرباء” كاملة من قبل تلك الشركات. علماً أن الوزارة تعاقدت مع شركات أخرى من جنسيات مختلفة بمبالغ ضخمة، لنصب هذه الوحدات وكان المفترض أن يتم الإنتهاء من نصبها في غضون عامين بينما تجاوزت مدة نصبها العشرسنوات.

صوّر(بتشديد الواو وكسرها) لجميع رؤساء الوزراء العراقيين إن القدرة التي ستنتج عن نصب هذه التوربينات ستكون رقماً يزيد على العشرة آلاف ميغا فولت أمبير- استناداً إلى القدرة التصميمية- بينما النتيجة كانت ثلاثة آلاف وخمسمائة ميغا فولت أمبيرلأن الكفاءة لا تتعدى في أفضل الظروف 36.2% من القدرة التصميمية، ويمكن أن تصل إلى 45% إذاما كانت المحطات مركبة، كما هو معروف عالمياً، وكما أثبتت النتائج المتحققة على الأرض ذلك لاحقاً.

لازال بعض كبار الموظفين في وزارة الكهرباء يذكر معلومة خاطئة بشأن سعر إنتاج الألف ميغا فولت أمبير بأنه يبلغ مليار دولار. بينما لاحظنا في عقد مصر مع سيمنزأن سعر الألف ميغا يبلغ تقريباً نصف هذا المبلغ. والمشكلة التي لازالت تتكرر، هي أن الوزارة لا زالت تتعاقد مع الشركات المنتجة للتوربينات على أساس القدرة التصميمية وليس على أساس القدرة الحقيقية المنتجة. ما يرفع تكلفة الألف ميغافولت أمبير ليس إلى الضعف، كما قد يتبادر إلى ذهن بعض القراء، بل إلى أربعة أضعاف سعرها الحقيقي، لأن ما نتعاقد عليه “القدرة التصميمية”، رغم أنه ضعف السعر المتداول عالمياً، لا ينتج عنه إلا أقل من 45% من القدرة المتعاقد عليها، في حالة كانت المحطات مركبة.

أقرأ أيضا