ماذا لو خسرت إنجلترا؟

ماذا لو خرج المنتخب الإنجليزي لكرة القدم مهزوما في مباراة أمس الأول أمام سويسرا؟ سيحتاج مدربه غاريت ساوثغيت إلى مصدات شخصية ونفسية ورباطة جأش واقية من رصاص الكلمات أمام الكم الهائل من البذاءة التي كانت تنتظره. دع عن نقد الإعلام الرياضي.

الأمر لا يتعلق هنا بالحماسة في التشجيع، بل بالحق الذي منحته وسائل التواصل لجحافل من الحمقى في تطويع البذاءات بعد أن كان أصحابها يتحدثون في الحانات وينتهي مفعول كلامهم بعد نهاية المباراة، دون الإضرار بالمجتمع، بينما بإمكانهم اليوم التحدث على منصاتهم الشخصية التي منحتهم الحق في التعبير عن كراهيتهم وحقدهم وعنصريتهم، بذريعة التشجيع الكروي.

لقد غيرت مواقع التواصل الاجتماعي مفاهيم التشجيع في كرة القدم. وبدت المشاعر التي تلي المباراة تميل إلى تحريف الاستجابات. كما تعمل خاصية الأسماء الوهمية والمسافة التي توفرها وسائل التواصل على تضخيم هذه السلبية، حيث يعجز بعض الأشخاص بشكل مَرَضي عن قول أي شيء مفيد. وفي حين تتمتع وسائل التواصل الاجتماعي بخصائص إيجابية، يبدو أن الخواء والسلبية والوقاحة تهيمن على هذا المسرح الذي أضحى كطفل لا يتوقف عن الصراخ “فمتى يكبر؟”.

وتسهم عدة عوامل في هذا. فمن وجهة نظر بيولوجية، الغريزة الإنسانية مبنية على إيلاء المزيد من الاهتمام للمعلومات السلبية، لأنها قد تشير إلى تهديدات محتملة. ويمكن أن تؤدي مشاركة هذه الإحباطات إلى ربط مجتمعات من الأفراد ذوي التفكير المماثل، كما تثير المعلومات الزائفة ردود فعل أقوى، مما يدفع الخوارزميات إلى إعطاء الأولوية لمثل هذا المحتوى لأنه يزيد من المشاركة الإجمالية.

إذا تسنى لنا مشاهدة رشق ساوثغيت بأكواب الجعة وإطلاق صيحات الاستهجان على لاعبي المنتخب الإنجليزي عقب التعادل السلبي الباهت مع سلوفينيا في منافسات المجموعة الثالثة ضمن كأس أوروبا لكرة القدم، فإنه كان يتوقع أن نشاهد أسوأ من ذلك بكثير لو انهزم المنتخب نفسه أمام سويسرا أمس الأول، لكن ساوثغيت لم يكن في مزاج يسمح له بالتطلع إلى الأمام، واكتفى وقتها بالتعبير عن أسفه للأجواء غير العادية بعد رشقه بالأقداح البلاستيكية.

ساوثغيت لم تتغير قيمه التدريبية والجمهور نفسه أيضا كان ينظر إليه في نسخة البطولة نفسها قبل أربع سنوات بأنه الأكثر أهمية وشعبية من تاريخ رئيس الوزراء الأسبق ونستون تشرشل. اختار البريطانيون أيقونتهم السياسية ليفضلوا عليها مدرب المنتخب الإنجليزي. وبمجرد انهزام الفريق أو تقديم أداء متواضع رموا بأكواب الجعة! وتحولت المنصات على مواقع التواصل إلى حلبة صراع يقودها الحمقى من المشجعين!

فهذا المدرب يمثل درسا بريطانيّا رائعا موحدا للأمة بعد أن كسب القلوب بتواضع يمكن أن يكون مثالا في المهارات التي يؤخذ بها في كل الأعمال وليس كرة القدم وحدها. تلك حقيقة محسوسة تمثلها كرة القدم مع أنها مجرد لعبة مليئة بالشغف والترقب والتمني ودائما تنتهي بخاسر وفائز، لكن مهما وجدنا من ذرائع تذهب إلى كونها مجرد لعبة لا أكثر، فإن تقبّل الخسارة لا ينهي الإحساس بحجمها.

من الصعب المبالغة في مدى سوء التفاعل عبر الإنترنت بالنسبة للاعبين، الذين يتعرضون باستمرار للأضواء. لذلك يُنصح جيل من اللاعبين الشباب بالابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها مهمة شاقة. يمكن أن يكون التعزيز الإيجابي إدمانيا عندما تسير الأمور على ما يرام، لكن الأداء الضعيف يمكن أن يخلق حلقة مفرغة من الإحباط لهذه العقول الشابة.

في الماضي، كان على اللاعبين فقط تحمل صيحات الاستهجان في المدرجات، والتي على الرغم من وحشيتها، انتهت عندما غادروا الملعب. الآن، يواجهون جحافل من المنتقدين عبر الإنترنت، مع استمرار التعليقات السلبية لمدة طويلة بعد صافرة النهاية وحتى عطلات نهاية الأسبوع. لكن من حسن طالع منتخب الأسود الثلاثة أنه فاز بشق الأنفس.

أقرأ أيضا