(كميشان حديد)

(كميشان حديد)

أول ذكرى لي مكتملة التفاصيل في طفولتي، كانت في مدينة الثورة الشعبية - الصدر حاليا، كنت العب مساء مع اطفال الجيران (كميشان حديد) هي لعبة مطورة للغميضة التقليدية تتمثل باختيار احد منا بالغميضة، ونكون بعد عده للعشرة في امان من الباحث عنا، حال مسكنا الابواب والشبابيك والاعمدة الكهربائية الحديدية. حينها
...

أول ذكرى لي مكتملة التفاصيل في طفولتي، كانت في مدينة الثورة الشعبية - الصدر حاليا، كنت العب مساء مع اطفال الجيران (كميشان حديد) هي لعبة مطورة للغميضة التقليدية تتمثل باختيار احد منا بالغميضة، ونكون بعد عده للعشرة في امان من الباحث عنا، حال مسكنا الابواب والشبابيك والاعمدة الكهربائية الحديدية. حينها كنت فرحا جدا باللعب. دخلت البيت واذا بأمي متسمرة على التلفاز تتابع مذيعا اخباريا ذا صوت مخيف واجش، وهو يتحدث كثيرا عن الفاو مع صور لجنود قتلى. امي تبكي بحرقة شديدة على ابي الذي لا اذكره تقريبا انذاك. احتضنتني وهدهدت لي بالنوم (دللوه يالولد يمه) متقطعة بفواصل بكائية شديدة مع ترديد اسماء ابي وخالي واخرون لا استطيع تذكر اسمائهم الان.

اليوم كبرنا كلنا ومشهد الحرب لم ينتهِ منذ ذكراي الاولى حتى الان، الغريب او ربما من الطبيعي جدا، انه كلما تصب شلالات دمنا بغزارة استعيد ذكراي الاولى واسأل امي حثيثا ان تبحث بذاكرتها عن ذكراي المهمة جدا بنظري والعابرة جدا بذكرياتها.

امي هل تذكرين كنت طفلا. ليلا. كميشان حديد. هدهدة. مذيع. ابي. خالي. بكاء. فاو ..فيكون جوابها في كل مرة (فلك صابك وصاب العراق شتذكر اني. يا ضيم ؟ يا قهر ؟ يا جوع ؟ وانتم وابوكم اكبر 8 بلاوي بهالدنيا هاي. اضحك عاليا، وتسرد امي المصائب التي مرت عليها وعلينا جميعا.

ما اود قوله مذ لحظة ذاكرة الرعب الاولى. مؤكد جدا انني لست مؤهلا بحكم عقدة العراق النفسية الشائعة (الخوف من الضحك). عقدة لحظة الفرح دون الخوف في ذاتها من نقيضها اي تضحك وتتوقع البكاء. خيال سوداوي يهجم عليك فجاة بالتهيؤ للكارثة، اي كارثة؟ لا تعلم.. متى، الان او غدا؟.. او لا فرق المهم ستأتي لحظة الرعب.

هااا,,انا لست وحدي في لائحة اهداف القاتل الخفي (الشسمة) كما خلقه لنا الروائي احمد سعداوي في رواية فرانكشتاين بغداد. تذكرت الان لدي طفلان صغيران ايضا على قيد العراق. اعود الى امي مرة اخرى واسألها مجددا مادمت لا تتذكرين ليلة في نهاية الثمانينات بلا تاريخ محدد سوى الفاو و(كميشان الحديد) انسي سؤالي عن التفاصيل، فهي لم تعد مهمة، اسألك الان ما الذي تتمنينه لتكفي عن الهم بنا وتنزعي ثوبك الاسود منذ ليلة ذاكرتي الاولى بدموعك.. تطرق رأسها قليلا ثم تقطع سلسلة تسبيحاتها الالفية وترفع يديها للسماء وتقول: (كون الله يشك بطني ويرجعكم كلكم الهه حتى يرتاح بالي وتنام عيني). 

اضحك مرة اخرى مع شوق شديد ان استعيد هذا الفرح الطفولي الغامر بان العب اليوم كميشان حديد.