جذور الفساد في العراق

بدءا أودّ التنويه الى ان هذا المقال ليس دفاعا ولا تبريرا لبعض الفاشلين والسراق الذين…

بدءا أودّ التنويه الى ان هذا المقال ليس دفاعا ولا تبريرا لبعض الفاشلين والسراق الذين حكموا العراق بعد عام 2003.

 

بعد سقوط نظام المجرم النافق صدام وتحرير ملفات دوائر الرعب والخوف سألت احد الإخوة المسؤولين عن هذه الملفات عن ابشع مامر عليه في هذه الملفات من احكام جائرة، فقال لي: انها كثيرة ولكن سأطلعك على عينة منها فسحب ملفا منها وطلب مني ان اقرأ مافيه (ماعدا ورقة واحدة قال لي لقد تعاهدنا ان لا نطلع احدا على اسم كاتب التقرير على صاحب الملف)، وقرأت الملف فصدمت للحكم الصادر بحق الشخص صاحب الملف اذ حكموا عليه بالإعدام والى هنا فإن الحكم يبدو مالوفا آنذاك ولكن ماصدمني واصابني بالذهول عبارة ألحقت بالحكم وهي عبارة (ويقطع نسله) لم افهم مؤداها اذ ان الشخص بعدما يقتل بالضرورة سيقطع نسله فما مغزى تكرار العبارة والمفروض ان مؤداها تحصيل حاصل فسئلت صاحبي الذي اصبح خبيرا بلغة ملفات القسوة والرعب هذه فأخبرني ان المقصود بها ان يتم تتبع كل من له صلة نسب بالمحكوم عليه من أب او ام او زوجة او أبناء او احفاد الخ فيقتل كل هؤلاء. لم أكد استوعب القصة فسحب لي ملفا اخر وهو يخبرني انه اكثر بشاعة من الاول وإذا بجلاوزة البعث يحكمون على أطفال قصر بالإعدام وبما ان المحكوم عليهم قاصرون فيودعونهم في محاجر خاصة الى ان يبلغوا سن البلوغ فيقتلونهم. فأصابني مايشبه الانهيار فاعتذرت عن مطالعة ملف اخر سحبه من بين ملفات تعد بالملايين تم سحبها من الشعبة الخامسة سيئة الصيت والتي أحصى فيها جلاوزة النظام آنذاك حتى انفاس أبناء الشعب العراقي.

 

ما دعاني لاستذكار هذه الحوادث النبرة النشاز التي بدأت تعلو مؤخرا متمثلة بمقارنة البعض بين طبيعة الوضع بالعراق بعد سقوط نظام البعث في نيسان (٢٠٠٣) وبين حقبة نظام المجرم المقبور صدام حسين وقد تبنى هذه المقارنة الظالمة بعض السذج اضافة الى بعض القنوات الإعلامية ايضا والتي مازال بعضها يدين بالولاء الى تلك الفترة السوداء من تاريخ العراق وهي تراهن على ضعف ذاكرتنا فأنى للمذبوح ان ينسى السكين الذي نُحر بها، هل يعقل اننا نسينا المعاملة الوحشية لاجهزة البعث القمعية مع الناس؟ هل نسي العراقيون اصحاب الزيتوني المرعبين والاضطراب الذي كان يصيب حيّا باكمله اذا دخلها احدهم؟ ام ننسى ماجرى على خيرة شبابنا من تعذيب بشع في اقبية دوائر الأمن والمخابرات، هل نسي العراقيون كيف كان جلادوا النظام يعتدون على النساء العفيفات من ذوات الشرف ومن خيرة العوائل امام اوليائهن كي ينتزعوا منهم الاعترافات؟ هل نسينا المبالغة في الاذلال التي كان يمارسها النظام حين كان يرغم عائلة من ينفذ بحقه حكم الإعدام ان يستقبلوا جثمانه بالزغاريد؟ ناهيك عن الفاتورة التي يقدمونها لعائلة من يقتلوه ظلما يطالبوهم بثمن الرصاصة التي قتل بها ابنهم واجور الثلاجة التي حفظت بها جثته؟ هل نسينا يوم كان المجرمون من زبانية البعث يقتلون شبابنا لأسباب تافهة لم يصدقها جيل التسعينات او الألفين وشاهد على ذلك ماحدث للشاب فاضل عباس عبد الامير الحلو حين كان هو ومجموعة من الطلبة يتفرجون على مباراة كرة قدم في بهو جامعة الموصل اذ قام احد الطلبة بين شوطي المباراة ليدير التلفاز على القناة الاخرى وإذا بصورة المقبور صدام التي ماكانت تفارق الشاشة فخاطب فاضل  ذلك الشاب معترضا عليه تغيير القناة وطالبا منه إرجاع التلفاز الى القناة الاولى التي تعرض المباراة وإذا بطلبه هذا يكون مادة ادانة كافية كي يعتقل ويحكم عليه بالإعدام!! هل يعقل ان تكون ذاكرتنا اقصر من ذاكرة أرنب كي ننسى اسماء أماكن يكفي ذكر احدها سابقا كي يصاب الشخص بنوبة فزع وخوف؟: ابو غريب.. الشعبة الخامسة.. الأمن العامة.. المخابرات ..الفضيلية.. نقرة السلمان..، من منا كان يتصور في يوم من الأيام ان يُختزل تاريخ (ابو غريب) الطويل الممتد لعقود؛ منذ اول يوم حكم فيه البعث في العراق الى يوم سقوطه ومارافق هذا التاريخ من صور للمأساة والجريمة ماتفوق ببشاعتها حدود التصور وإذا بكل هذا التاريخ الدامي لأبو غريب يختزل بصورة فوتوغرافية لمجموعة من الاجساد المكدسة.

 

مقارنة مابعد 2003 بما قبلها مقارنة ظالمة وغير منصفة لعدة أسباب سنأتي عليها،ثم لا اعرف لماذا يتشهى البعض استفزازنا بجعل قدر العراق محبوسا بين خيارين اما نظام البعث الصدامي او الوضع الراهن وكأنه لا خيار ثالث غيرهما يمكن ان يطمح له العراقيون فمن يرفض جحيم نظام صدام يعتبر خياره الوضع القائم فتراه يدافع عنه بشراسة ومن يهرب من جحيم الوضع الحالي يركن الى السابق وكأنه واحة الأمن  والحريّة والاستقرار ،الا يحق للعراقي ان يطمح بدولة يحكمها الوطنيون والشرفاء واصحاب الكفاءة من أبناء البلد؟ هل عقمت الأمهات في العراق ان ينجبن أمثال هؤلاء؟

 

ذكرنا سابقا ان المقارنة بين حقبة ماقبل سقوط نظام البعث وما بعده مقارنة غير دقيقة ولم تكن منصفة لعدة أسباب :

 

اولا: ان الارهاب والتدمير في زمن البعث كان منظما والدولة بحزبها الحاكم هي من تتبنى ذلك فهو مشروعها، القمع والاضطهاد من قتل وتعذيب وتهجير ومصادرة لاموال وممتلكات الناس والتنكيل بالابرياء كل ذلك من سياسة الدولة ويتم تنفيذه تحت إشرافها فهو مشروعها الذي سخرت  من اجل تنفيذه كل اجهزتها وإمكاناتها، اما ماجرى بعد سقوط الصنم وما زال يجري فبقليل من الانصاف والواقعية نكتشف انه ليس كذلك .

 

ثانيا: كان الأمل بالخلاص  في فترة حكم المقبور صدام مفقودا تماما فقد أحكم هو وعصابته قبضتهم على الحكم فلا أفق للتغيير حتى ان الناس اخذوا يتندرون معبرين عن يأسهم من الانعتاق من حكمه بالشعار ( هلا بيك هلا يالجدتك حلا) يقصدون ان النظام باق  الى ان يحكم العراق حفيد حلا بنت المجرم النافق، اما بعد سقوطه فهناك أمل بالتغيير شريطة ان الناس تُمارس دورها الرقابي بصورة صحيحة.

 

ثالثا: وهو الاهم ان نظام البعث الفاشي هو الذي وضع الاسس والقواعد لما وصل اليه البلد الان من فساد وتدهور حاصل على مختلف الصعد: الأمنية ..الاقتصادية ..الثقافية.. الإدارية .. ،فما من صورة من صور الفساد التي تعصف بالبلد الان الا ولها جذور ممتدة الى تلك الحقبة المظلمة ،ولنأخذ مثلا:

 

1- الفساد الامني :الم تكن مغامرات نظام البعث الساقط في شنه الحروب المدمرة وبلا اي طائل والتي خرج منها جميعا مكللا بالهزيمة والفشل ،فمن حرب السنوات الثمان التي شنها على الجارة ايران الى غزوه الظالم للجارة الكويت وماترتب عليه من حروب مدمرة  وحصار خانق جائر فرضته الامم المتحدة استمر لأكثر من عقد من الزمان اهلك البشر ودمر الارض وماعليها وماتحتها وصولا الى تحديه الارعن لقوات التحالف وعلى رأسها الولايات المتحدة في عام ٢٠٠٣ وماتبعه من تداعيات مأساوية ،أقول الم تكن هذه الأحداث كافية لإنهاء اي قوة وطنية من شأنها حماية الوطن من اي اعتداء؟ هل أبقى صدام للعراق جيشا ام مجاميع من المرتزقة المجرمين( كجيش القدس او الحرس الجمهوري او فدائيي صدام) انهارت امام اول ضرب؟ ألم يعزل صدام اغلب القيادات العسكرية المخلصة لبلدها والحريصة على حمايته؟ الم يجازف بارواح أفراد الجيش وقادته في مغامراته الطائشة؟ الم يتعرض الجيش العراقي الى عملية اذلال من قبل القائد المنصور بالله حين تركه يواجه مصيره تحت ضربات التحالف في الكويت ومازالت ذاكرتنا تحتفظ بصورة الجندي العراقي الذي يقبل بسطال الجندي الامريكي بعد ان أنهكه العطش وصار يهدد حياته؟.

 

لم تكن المرة التي استبدل بها الجندي العراقي بزته العسكرية باللباس المدني هروبا من مصير غير مؤمن به زُج به على رغم ارادته كما جرى في حرب الكويت لم تكن تلك المرة الوحيدة بل تبعتها مرات عديدة،فقد كان الجيش العراقي والقوات المسلحة عموما تحتضر حين اجهز عليها الحاكم المدني بريمر بقرار الحل. هذا كله ناهيك عما قام به النظام الساقط من عملية تغيير في ولاء ومهمات القوات المسلحة والاجهزة الأمنية فولاؤها صار للقائد الأوحد وليس للوطن ومهمتها صارت حماية النظام من السقوط بدل حماية الوطن والمواطن من اي اعتداء ،(طبعا لابد من استثناء بعض المواقف المشرفة التي وقفها بعض أفراد هذه القوات). اضف الى ذلك استيراد مجاميع غير قليلة من السلفيين الإرهابيين من قبل النظام المقبور وفتح أبواب البلد أمامهم ليواجه بهم الحملة  لإسقاطه، وبقي هؤلاء الارهابيون المرتزقة ليشكلوا النواة الاولى للارهاب بعد سقوط النظام .

 

2- الفساد الاقتصادي: كانت بداية انهيار الاقتصاد العراقي بسبب القرار الارعن في الحرب على ايران. فقد دخل صدام الحرب والعراق لديه فائض مالي يزيد على 30 بليون دولار وعوائد نفطية تقارب العشرين بليون دولار سنويا ،ليصل بالعراق قبيل سقوط نظامه الى عجز يزيد عن ثلاثمائة بليون دولار( من مقال للكاتب غسان العطية في جريدة الحياة الصادرة بلندن العدد 14054 بتاريخ 7/9/2001 )  ،أضف الى ذلك ماتركه الحصار من تدمير كامل لبنية البلد التحتية والفوقية على الصعد كافة بعبارة اخرى خلفت سياسات النظام البائد بلدا محطما وشعبا منهكا تعرض الى عملية تجويع قاسية جدا .نعم لو ان الحكام الجدد بعد 2003 كانوا بمستوى المسؤولية ولم يبددوا ثروات البلد لكانت وارداته تكفي لاصلاح كثير مما افسده نظام صدام الساقط .

 

3- الفساد الاداري: قلت سابقا ان اقسى فترة مدمرة مرت على العراق هي فترة حصار التسعينات من القرن المنصرم اذ بلغ مرتب الموظف البسيط ثلاثة آلاف دينار اي مايعادل دولارا واحدا والضابط الكبير في الجيش، او الأستاذ الجامعي يتقاضى في حدود تسعة آلاف دينار اي مايعادل ثلاث دولارات علما ان هذا المبلغ يعادل ثلاث طبقات من البيض ،فكان لابد للشخص ان يستعين بعمل اخر كي يتمكن من توفير الحد الأدنى مما يسد الرمق له ولعائلته مما أتاح للرشوة ان تتفشى في المجتمع بطريقة غير مسبوقة لم يعتد عليها العراقيون بهذا الشكل المرعب، حيث بلغت حدا ان بعض المحكوم عليهم بأحكام ثقيلة ربما تصل للإعدام قد ينجو ويطلق سراحه بقليل من المال ولنا على ذلك شواهد عديدة .للقاريء الكريم ان يتصور مدى الانهيار القيمي والاضطراب النفسي الذي يعانيه ضابط كبير كان ممتلأ شموخا وكبرياءا وعزة اضطر تحت مطرقة الحاجة ان يقبل رشوة من جندي تحت امرته مقابل ان يعفيه من مسؤولياته ،او موظف كبير الجأه العوز وقلة ذات اليد ان يعرض على الرصيف بضاعته التي لاتتعدى بعض قطع من ملابس داخلية بعد ان ينهي عمله في دائرته، بل وصل التدهور حدا مخيفا حين يعلن راس النظام آنذاك اباحة تقاضي الرشوة ( تصريح صدام بإباحة الرشوة) فيصبح الفساد مقننا والرشوة ممارسة مقبولة ،وماكان يأنف منه الكثيرون أمرا عاديا جدا ،بل صار يحسب نوعا من التكسب المشروع قانونا، طبعا كلامنا هذا لايعني انعدام الاستثناءات ولكننا نتحدث عن الحالة العامة التي تشكل الظاهرة . فكانت هذه جذور الفساد وبداية تهاوي الحصون النفسية المنيعة للشخصية العراقية وخسارة الفرد العراقي شعوره بكرامته بعد ان هانت عليه نفسه، هذه هي الاسس الاولى لما يعانيه العراق من تفشي ظاهرة الفساد الان ،فهي لم تكن وليدة اليوم كما يحاول البعض إيحائه بقصد او بدونه ،خصوصا وان الحكومات التي توالت على حكم العراق بعد سقوط النظام لم تهتم بعلاج هذه الظاهرة السلبية من خلال وضع برامج علمية تعيد للإنسان العراقي ثقته بنفسه ليتجاوز الانكسارات النفسية الهائلة التي أصيب بها كما وتضع برامج تربوية للأطفال لتنشئتهم تنشئة تستقبح هذه الممارسات.

 

4- التراجع الثقافي والعلمي: ان أخطر قرارين تكفلا بتدمير التعليم في العراق، وتراجع المستوى الثقافي، وضمور الوعي اتخذهما راس النظام المباد إبان الحرب العراقية الإيرانية مطلع الثمانينات كي يزج باكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع في محرقته تلك ؛حيث شكل هذان القراران بداية الانهيار والتردي الذي اصاب التعليم والثقافة في العراق فيما بعد، ومن اهم الأسباب التي أدت الى مانشهده اليوم من حالة مأساوية يعاني منها التعليم وتشهدها الثقافة ،اذ تسببا في انتشار الأمية بصورة مرعبة في المجتمع العراقي ؛القرار الاول كان إلغاء قانون إلزامية التعليم مما تسبب في انتشار الأمية في أوساط الشباب ،والثاني إلغاء قانون محو الأمية حيث قفزت نسبة الأمية الى معدلات غير مسبوقة بلغت 25-30% منهم 60% من النساء ،وعلى صعيد اخر استطاع نظام البعث نتيجة سياسة الترهيب والترويع التي عرف بها ان يحول جيش من الأدباء والمثقفين الى رداحين يسبحون بحمده صباحا مساءا، أقول ذلك مستثنيا منهم من واجهوا طغيان النظام وشراسته ودفعوا جراء ذلك ثمنا باهضا، كل ذلك أدى الى ضعف الدور الذي ينبغي ان تقوم به النخب المثقفة في عملية البناء والإصلاح في العراق الجديد كما افسح المجال لسياسيي الصدفة والأميين ان يتسلقوا الى مواقع القرار ويقودوا البلد الى الانهيار الشامل. فلم يكن تراجع مستوى التعليم والوعي وليد مابعد عام 2003 كما يروق للبعض تصويره .

أكرر مانوهت له في البدء من أنني لم أسق كل ذلك كي أبرر فساد واخطاء وفشل ،وربما جرائم من تقلد الحكم في العراق الجديد ولكن كي أرد على من يحاول ان يبرئ النظام المقبور او يتأسف عليه ويتمنى عودته.

أقرأ أيضا