قرار عراقي يهدد الاكتفاء الـذاتي مـن "السـمنت".. والمستفيد دول الجوار

قرار عراقي يهدد الاكتفاء الـذاتي مـن "السـمنت".. والمستفيد دول الجوار

بغداد - العالم الجديد

لغط كبير أحدثه قرار وزارة النفط برفع تسعيرة النفط الأسود لمعامل السمنت في العراق، ما دفع المسؤولين عن هذه الصناعة الى التلويح بخيارين لا ثالث لهما، فإما غلق كافة المعامل وتسريح 30 ألف عامل أو رفع سعر طن السمنت، ما سيثقل كاهل المواطن، وذلك وسط تأكيد الوزارة وخبراء نفطيين بأن السعر الحالي في العراق هو
...

لغط كبير أحدثه قرار وزارة النفط برفع تسعيرة النفط الأسود لمعامل السمنت في العراق، ما دفع المسؤولين عن هذه الصناعة الى التلويح بخيارين لا ثالث لهما، فإما غلق كافة المعامل وتسريح 30 ألف عامل أو رفع سعر طن السمنت، ما سيثقل كاهل المواطن، وذلك وسط تأكيد الوزارة وخبراء نفطيين بأن السعر الحالي في العراق هو مدعوم وأقل من السعر العالمي.

 

ويقول رئيس جمعية مصنعي السمنت ناصر المدني في حديث لـ"العالم الجديد"، إن "السمنت هو الصناعة الوحيدة الناجحة بشكل كامل في العراق، وكل السمنت المستخدم حاليا هو عراقي وبنوعيات جيدة ويكفي الحاجة المحلية، ولكن حدثت خلال هذا العام 3 أمور أثرت على كلف إنتاجه".

 

ويضيف المدني، ان "أول هذه الامور هو ارتفاع سعر صرف الدولار، حيث ان بعض المواد الاحتياطية التي تحتاجها معامل السمنت تستورد بالدولار، وثانيها، هو ما حصل في شهر شباط (فبراير) الماضي، حين رفعت وزارة النفط سعر لتر النفط الأسود من 100 الى 150 دينارا، وعلى إثره عقدنا اجتماعا في حينها مع الحكومة، واتخذنا قرارا بعدم زيادة سعر السمنت، وهذا القرار جاء بسبب صدور قرار عام 2013 من مجلس الوزراء خاص بحماية المنتج وعدم استيراده من الخارج، وبناء عليه تعهدنا بان يكون السقف الأعلى لسعر السمنت هو 90 الف دينار للطن الواحد".

 

ويوضح أن "هذا الامر أنعش صناعة السمنت وخصوصا القطاع الخاص، بعد أن كان إنتاج القطاع الخاص متوقفا قبل 2003، والحكومي لا يزيد عن 3 ملايين طن فقط"، لافتا الى أن "الحكومي ينتج الآن 6 ملايين طن والخاص وصل إنتاجه الى 21 مليون طن".

 

ويتابع "الأمر الثالث، الذي تعرضت له صناعة السمنت في العراق، هو القرار الأخير برفع أسعار النفط الأسود لمعامل السمنت، فهو القشة التي قصمت ظهر البعير، حيث اننا اخذنا تعهدا من الحكومة بان يكون السعر 100 دينار لكل لتر، وهو اتفاق رسمي والمشكلة حاليا ان المعامل سوف تخسر، والقرار صدر من وزير، بينما القرار السابق هو من مجلس الوزراء، والمفترض ان الوزير لا يستطيع ان يغير السعر إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، الذي يعد قراره أعلى من قرار الوزير".

 

ويؤكد أن "معامل السمنت الآن في حيرة وسنقدم شكوى لرئيس الوزراء، كوننا فاتحنا الوزير وكذلك وزير الصناعة ايضا، إلا انه لم يرد علينا، وقدمنا كتبنا لرئيس الوزراء نشكو له الصناعة الوطنية لكي نتمكن من عبور هذه المحنة دون ان نتخذ قرارا من اثنين، وهما إما ان تغلق جميع معامل السمنت ويتم تسريح المنتسبين سواء القطاع الحكومي والخاص والبالغ عددهم نحو 30 ألف منتسب، اضافة الى عاملين بالآلاف بشكل غير مباشر، وإما ان نزيد الاسعار وستكون بمقدار 10 الاف دينار للطن، وهذا عبء سيضاف الى كاهل المواطن، وبالتالي ستزيد الأسعار اكثر من 20 الف دينار، بعد بيعها لمحال الجملة ومن ثم المفرد، وكل منهما يضع ربحه".

 

وخلال الايام الماضية، تضاربت الانباء حول قرار وزارة النفط برفع اسعار النفط الاسود "زيت الوقود" لمعامل السمنت والطابوق والجص، حيث نفت شركة توزيع المنتجات النفطية رسميا، يوم امس الاول السبت، رفع أسعار النفط الأسود المجهز لمعامل الطابوق والجص، لكنها وبحسب وثيقة صادرة عنها أمس الأحد، أكدت شمول معامل السمنت بسعر 250 دينارا للتر الواحد.

 

وكانت "العالم الجديد" سلطت الضوء، في تموز يوليو الماضي، على صناعة السمنت العراقي، والمعوقات التي تقف خلف تطويره وتخفيض ثمنه محليا، في ظل ذهاب 25 بالمائة من قيمة انتاجه الى وزارة النفط لقاء تزويد المعامل الحكومية البالغ عددها 18 معملا بالنفط الأسود.

 

الى ذلك، يبين المتحدث باسم وزارة النفط عاصم جهاد في حديث لـ"العالم الجديد"، أن "السعر الذي حددته الوزارة للنفط الاسود، هو مدعوم وأقل من تكلفة انتاجه".

 

ويبين ان "تكلفة الانتاج الحقيقية تبلغ 400 دينار لكل لتر، فيما كانت الوزارة تبيعه بـ100 دينار والان حدد سعر 250 دينارا، وهو يبقى أقل بكثير من كلفته الاصلية".

 

وبحسب التقرير السابق لـ"العالم الجديد"، فان الشركة العامة للسمنت، وهي حكومية، تمتلك 18 معملا للسمنت، بالاضافة الى 8 معامل خاصة، أنشئت بعد 2003 وتنضوي جميعها تحت عنوان جمعية مصنعي السمنت في العراق، وكانت حاجة العراق عام 2015 تقدر بنحو 20 مليون طن سنويا، والانتاج وصل لنحو 40 مليون طن، ما أدى في حينها الى تقديم ورقة خاصة بكمية استهلاك العراق من السمنت المستورد، حيث تبين انه البلد يستورد سنويا 12 مليون طن وهي من ايران حصرا، ما دفع مجلس الوزراء آنذاك الى إصدار قرار منع استيراد السمنت المرقم 409 لسنة 2015 وتم تنفيذه ورقيا عام 2016 وعمليا في أيلول سبتمبر من نفس العام.

 

من جانبه، يبين الخبير النفطي حمزة الجواهري في حديث لـ"العالم الجديد"، أن "سعر زيت الوقود او ما يسمى بالنفط الاسود، الذي يباع اليوم للمعامل في العراق، هو قليل جدا مقارنة بسعره الحقيقي والعالمي".

 

ويوضح ان "الحكومة حددت السعر الحالي وهو 250 دينارا لكل لتر، دعما لمعامل السمنت"، مبينا ان "سعر انتاجه العالمي للتر الواحد يتراوح بين 400 – 500 دينار"، مضيفا "عندما اصبح سعر زيت الوقود واطئا مقارنة بالسعر العالمي، أدى إلى حدوث استغلال كبير بتجارته من خلال السوق السوداء، فاصبحت المتاجرة به سهلة ويتم انتاجه من خلال المصافي الموجودة في بغداد وكافة المحافظات، بعد عملية تصفية النفط واستخراج المشتقات البيضاء منه كالبنزين والكازولين والنفط الأبيض، والمتبقي هو ما يسمى بزيت الوقود او النفط الاسود".

 

وتعد صناعة السمنت من الصناعات الاستراتيجية في العراق، وكل موادها الاولية وخبراتها متوفرة محليا، فقد بدأت منذ 85 عاما، حيث تأسس اول معمل بالعراق عام 1936 باسم معمل بغداد، وفي ثمانينيات القرن الماضي، كان العراق من اوائل المصدرين بالشرق الاوسط للسمنت، حيث كانت تصل صادراته الى 7 ملايين طن قبل الحصار الاقتصادي، وكان يحقق اكتفاء ذاتيا، كما انه بعد حرب العام 1991، تمت إعادة بناء جميع الجسور والطرق المدمرة اعتمادا على السمنت العراقي، وهي الصناعة الاولى بالعراق التي حققت الاكتفاء الذاتي، وذلك وفق حديث سابق لـ"العالم الجديد" من المدير العام للشركة العامة للسمنت العراقية علي زيدان.

 

الى ذلك، يكشف مصدر في الشركة العامة للسمنت العراقية، خلال حديث لـ"العالم الجديد"، أن "هذا القرار سيؤدي إلى زيادة باسعار السمنت، لان هذه الكلفة ستستخرج عبر زيادة الاسعار، ونحن كقطاع عام بـ18 معملا، يكون استهلاكنا من النفط الاسود سنويا 500 مليون لتر، وعندما كان سعر اللتر 100 دينارا كنا نصرف 50 مليار دينار سنويا، وطالبنا بتقليل السعر، لكن حصل العكس، حيث تم رفع السعر إلى 150 دينارا للتر الواحد في البداية، واصبحت الكلفة لدينا 75 مليار دينار، وبالتالي اصبحت هذه النسبة تشكل من 20– 25 بالمائة من كلف انتاج الطن الواحد من السمنت".

 

وينوه المصدر الى ان "جميع الدول تعطي هذا النفط إلى مصانعها من دون مقابل، كونه يعتبر مخلفات وليس مادة اساسية، ولو اعطتنا الوزارة هذه المادة دون مقابل، لحدث فرق كبير بالاسعار ولكن بعد الزيادة الاخيرة ستكون نسبة مبالغ النفط حوالي 40 بالمائة من كلفة انتاج الطن الواحد".

 

ويشير الى ان "هذا القرار سوف يتسبب بضرب هذه الصناعة كونها الوحيدة التي حققت الاكتفاء الذاتي، ما قد يؤدي الى فتح الاستيراد لصالح الصناعات المماثلة بالنسبة لايران، كونها الدولة الوحيدة من الدول المجاورة التي تبيع السمنت بسعر اقل من 90 الف دينار للطن الواحد".

 

ويستطرد "الطاقات التصنيعية لمعاملنا هي 45 مليون طن سنويا، بينما احتياج العراق هو 30 مليون طن، وهذا بحسب وزارة التخطيط، بمعنى اننا يمكننا تصدير الفائض إلى خارج البلد".

 

يشار الى ان القرار الحالي الذي اتخذته وزارة النفط، يأتي قبل ايام معدودة من انتهاء صلاحيات الحكومة الحالية وتحويلها الى حكومة تصريف اعمال، نظرا لاجراء الانتخابات في 10 تشرين الاول اكتوبر المقبل

 

ويتزامن القرار مع مبادرة رعاها رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي، لتمويل المشاريع الاستثمارية للشباب، واطلاقه صندوق بقيمة 30 مليار دينار، يوم السبت الماضي، ومنح الفرصة لسبعة شباب وتمت رعاية مشاريعهم من قبل المصارف والجهات الممولة الاخرى.