هل أطلقت الحكومة "رصاصة الرحمة" على صناعة الإسمنت في العراق؟

هل أطلقت الحكومة "رصاصة الرحمة" على صناعة الإسمنت في العراق؟

بغداد – العالم الجديد 

يمتلك العراق معامل لصناعة الإسمنت تؤهله، وفق معنيين، لتحقيق الاكتفاء الذاتي واستمرار الاستغناء عن الاستيراد، غير أن وزارة النفط اتخذت قرارا جعلها في موضع اتهام بأنها قد تكون أطلقت "رصاصة الرحمة" على هذه الصناعة بشقيها الحكومي والأهلي.   ويقول المدير العام للشركة العامة للإسمنت العرا
...

يمتلك العراق معامل لصناعة الإسمنت تؤهله، وفق معنيين، لتحقيق الاكتفاء الذاتي واستمرار الاستغناء عن الاستيراد، غير أن وزارة النفط اتخذت قرارا جعلها في موضع اتهام بأنها قد تكون أطلقت "رصاصة الرحمة" على هذه الصناعة بشقيها الحكومي والأهلي.

 

ويقول المدير العام للشركة العامة للإسمنت العراقية باسم محمد أمين، خلال حديث لـ"العالم الجديد"، إن "صناعة الإسمنت تمر بثلاث مراحل هي جمع المواد الأولية والحرق والطحن، وكل المواد الأولية متوفرة في العراق ولا تحتاج إلى مراحل تصنيع متعددة كما هو الحال في بقية الدول، بسبب جودة المواد المتوفرة محليا".

 

وكانت وزارة النفط أقرت زيادة جديدة في أسعار النفط الأسود الذي تجهز به معامل الإسمنت في العراق، ما أثار حفيظة هذه المعامل ومنها معمل الكوفة، الذي أعلن أن خطين فيه تعملان بالغاز، وطلب من وزارة النفط التريث برفع التسعيرة حتى يتم التحول للطاقة النظيفة، لكن الوزارة رفضت طلبه.

 

ويضيف أمين، أن "مرحلة الحرق تحتاج إلى النفط الأسود الذي يعتبر من مخلفات الوقود، وأغلب الدول ومن بينها إيران، تعطيه مجانا للمعامل الحكومية والأهلية أو بسعر رمزي جدا"، مشيرا إلى أن "وزارة النفط رفعت سعر النفط الأسود من 50 إلى 150 دينارا، وعندما طلبنا إعادته إلى سعره السابق رفعته مرة أخرى إلى 350 دينارا".

 

ويبين أن "العراق يضم 18 معملا حكوميا لصناعة الإسمنت، موزعة بواقع 8 معامل في المحافظات الجنوبية و4 في الغربية و6 في نينوى، إضافة إلى 8 معامل أهلية".

 

ويؤكد أن "سعر الطن الواحد من الإسمنت الإيراني كان يستورد بـ50 دولارا خلال المدة من 2012 حتى مطلع 2016 وتم استيراد 12 مليون طن سنويا في تلك الفترة  أي أن 600 مليون دولار كانت تنفق سنويا على استيراد الإسمنت من إيران، على الرغم من أن كل المواد الأولية موجودة في العراق"، مبينا أن "مجلس الوزراء اتخذ قرارا في 2015 بمنع استيراد الإسمنت، وتم تطبيقه منذ 1 كانون الثاني يناير 2016".

 

ويتابع أن "العراق حقق الاكتفاء الذاتي من الإسمنت منذ بداية 2016 حتى الآن، وهذا يعني أن أكثر من 4 مليارات دولار كانت ستنفق على الاستيراد ولكن تم توفيرها خلال 6 سنوات ونصف من بداية تطبيق قرار المنع إلى وقتنا الحالي"، مشددا على ضرورة أن "تدعم الحكومة معامل الإسمنت، لتكون هذه الصناعة الاستراتيجية بداية لانطلاق باقي الصناعات المحلية في توفير احتياجات البلد محليا، وإيقاف هدر العملة الصعبة في استيراد المنتجات المماثلة لما تستطيع معاملنا بكوادرها وخبراتها المتراكمة إنتاجه".

 

ويوضح أن "بيع لتر النفط الأسود بـ250 دينارا (نحو 18 سنتا) لمعامل الإسمنت يجعل كلفة الطن الواحد منه 45 ألف دينار (نحو 30 دولارا)، وهذا يعني خسارة نصف سعر الطن مقدما، والزيادة الاخيرة أصبحت 350 دينارا للتر الواحد"، منوها إلى أن "بعض المعامل بدأت تعمل بنصف الإنتاج، أي تعمل كطحن فقط، وهناك معامل أخرى توقفت عن العمل، وهو ما ينذر بفتح باب الاستيراد من جديد". 

 

يشار إلى أن وزارة النفط كانت قد رفعت سعر النفط الأسود "زيت الوقود" لمعامل الإسمنت والطابوق والجص، في أيلول سبتمبر 2021، إلى 250 دينارا للتر الواحد، على الرغم من نفي شركة توزيع المنتجات النفطية رسميا القرار في حينها، لكن وثيقة تسربت أكدت شمول معامل الإسمنت بالقرار.

 

وكانت "العالم الجديد" قد سلطت الضوء، في تموز يوليو 2021، على صناعة الإسمنت العراقي، والمعوقات التي تقف خلف تطويره وتخفيض ثمنه محليا، في ظل ذهاب 25 بالمئة من قيمة إنتاجه إلى وزارة النفط لقاء تزويد المعامل الحكومية البالغ عددها 18 معملا بالنفط الأسود.

 

وبحسب التقرير السابق لـ"العالم الجديد"، فإن الشركة العامة للإسمنت، وهي حكومية، أنشئت بعد 2003 وتنضوي جميعها تحت عنوان جمعية مصنعي الإسمنت في العراق، حيث كانت الحاجة الفعلية عام 2015 تقدر بنحو 20 مليون طن سنويا، والإنتاج وصل لنحو 40 مليون طن، ما أدى في حينها إلى تقديم ورقة خاصة بكمية استهلاك العراق من الإسمنت المستورد، حيث اتضح أن البلد يستورد سنويا 12 مليون طن جميعها من إيران، ما دفع مجلس الوزراء آنذاك إلى إصدار قرار بمنع استيراد الإسمنت المرقم 409 لسنة 2015 وتم تنفيذه ورقيا عام 2016 وعمليا في أيلول سبتمبر من العام ذاته.

 

إلى ذلك، يرى مدير معامل إسمنت الديوانية حسن إبراهيم خلال حديث لـ"العالم الجديد"، أن "وزارة النفط اتخذت قرارا احتكاريا برفع أسعار النفط الأسود المباع لمعامل الإسمنت بنسبة 200 بالمئة".

 

ويوضح إبراهيم، أن "المواطن هو المتضرر الأكبر من رفع أسعار الوقود، لأن نصف معامل الإسمنت تقريبا خرجت عن الخدمة بسبب هذا القرار"، مشير إلى أن "مصنعنا طلب من الوزارة تزويده بالغاز بدلا من النفط الأسود، لكنها رفضت"، متهما مسؤولي وزارة النفط بـ"عدم فهم آلية العمل واتخاذ إجراءات وقرارات غير مدروسة".

 

وحاولت "العالم الجديد" الحصول على رد من وزارة النفط حول التسعيرة الجديدة وأسبابها، لكن مسؤولين فيها رفضوا التعليق.

 

وتعد صناعة الإسمنت من الصناعات الاستراتيجية في العراق، وكل موادها الأولية وخبراتها متوفرة محليا، فقد بدأت منذ 85 عاما، حيث تأسس أول معمل في العراق عام 1936 باسم معمل بغداد، وفي ثمانينيات القرن الماضي، كان العراق من أوائل المصدرين في الشرق الأوسط للإسمنت، حيث كانت تصل صادراته إلى 7 ملايين طن قبل الحصار الاقتصادي، وكان يحقق اكتفاء ذاتيا، كما أنه بعد حرب العام 1991، تمت إعادة بناء جميع الجسور والطرق المدمرة اعتمادا على الإسمنت العراقي، وهي الصناعة الأولى في العراق التي حققت الاكتفاء الذاتي، وذلك وفق حديث سابق لـ"العالم الجديد" من المدير العام للشركة العامة للإسمنت العراقية علي زيدان.

 

من جانبه، يذكر رئيس جمعية مصنعي الإسمنت سيد ناصر إدريس خلال حديث لـ"العالم الجديد"، أن "وزارة النفط رفعت أسعار النفط الأسود مرات عدة وعلى مراحل، حيث صعد سعر النفط من 100 دينار لكل لتر إلى 350 دينارا، وهذا أدى إلى زيادة الكلفة لكل طن إسمنت من 28 ألفا إلى 48 ألف دينار لكل طن"، موضحا أن "هذا الارتفاع سبب خسارة كبيرة في المعامل الحكومية على وجه الخصوص، وإذا استمرت الزيادة ستضطر المعامل التابعة لوزارة الصناعة والمعادن إلى إغلاق أبوابها".

 

ويلفت إدريس إلى أن "وزارة النفط اتخذت القرار بشكل انفرادي وغير مدروس ومن دون الرجوع إلى مجلس الوزراء أو المجلس الوزاري للطاقة، ولا إلى وزارة الصناعة أو أصحاب المصانع"، مؤكدا أن "قرار وزارة النفط غير قانوني لأنها سبق وأن تعهدت ببقاء أسعار النفط الأسود عند مستوى 100 دينار لكل لتر". 

 

يشار إلى أنه في السنوات التي تلت عام 2003، شهدت السوق العراقية انتشار العديد من أنواع الإسمنت المستورد، أبرزها الإيراني، وثمنه أرخص من ثمن الإسمنت المحلي.

 

أخبار ذات صلة